
حتميّة التدبير في النظام التربويّ والاجتماعيّ
تتحدّث هذه المحاضرة حول فقرة أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا وتطرح مشكلة التعارض بينها وبين ما دلّ على ضرورة التدبّر والتفكّر والتدبير والتنظيم من آيات القرآن الأمرة بالتدبّر فيه والمتحدّثة عن التدبير والنظام في السموات والأرض وسيرة الأولياء في الدعوة إلى أعلى مراتب التنظيم في مختلف مجالات الحياة. وفي أثناء ذلك تعرّضت إلى موضوعات مختلفة: كضرورة الاهتمام بالقرآن وتلاوته والتدبّر فيه مدى الحياة وعدم تركه للقراءة على الأموات وقد توسّعت في شاهد على التدبّر في آية ولا تقف ما ليس لك به علم ضرورة صلاة الجمعة وأهميّتها وعينيّتها مضامين خطبة الجمعة ومواصفات الخطيب أهميّة الحجّ ومعنى الاستطاعة
حتميّة التدبير في النظام التربويّ والاجتماعيّ
12وهذه الأرض تدور حول الشمس، فلو اختلفت ملمترًا واحدًا عن دائرتها فماذا سيحصل؟ كافّة الكواكب ستصطدم ببعضها، أليس هذا تدبيرًا؟ ملمترٌ واحد يطوي كلّ بساط خلق الله، وبالطبع بساط عالم المُلك، هذا معنى (فالمدبّرات أمرًا)۱. معناه أنّك أنت جالس هنا مطمئنًّا هادئًا لا تحسّ بحركة ولا باهتزاز وتتحمّل بشكل كامل كلامي وتلتفت، كلّ ذلك لأنّ ملايين الملائكة الآن ـ بل لا يمكن حسابهم ـ ما هو المليار؟ يعملون الآن حتّى جلست الآن هكذا. ولو حصل اختلاف يسير، ولو قال جبرائيل: أريد أن أشاكسكم لتعالى صوت من الأرض، [تنحرف] الأرض يسيرًا، يصطدم كلّ شيء بكلّ شيء، أريد أن أشاكسكم! تمامًا كما شاكس الأمم السابقة، كانت تخالف فتأتي ملائكة العذاب وماذا تصنع بالأرض؟ تخسفها، كانت تنشقّ قليلاً فيدخل فيها كلّ ما عليها من قرى ومدن ثمّ تغلق، انتهى الأمر، لقد غاصت كلّ ناطحات السحاب في الأرض، غاصت وانتهى الأمر. قليل من المشاكسة، قليل، قليل من التغيير. هؤلاء يعملون (فالمدبّرات أمرًا) يدبّرون، يديرون الأرض في مكانها، ويديرون الشمس في مكانها، المطر يأتي في هذا الوقت، هذا السحاب هو لهذه المنطقة، وذاك لتلك. عندما دعا الإمام الرضا بدعاء الاستسقاء هطل المطر، جاء سحاب لعدّة مرّات فقال الإمام هذا لمنطقة كذا، وهذا لموضع كذا، فمضت السحب، فجاءت سحب أخرى ففرح الناس فقال لهم: لا هذه لذلك الموضع، لموضع آخر. ثمّ جاء سحاب آخر فقال: هذه لنا. فوصل وشرع بالإمطار.٢ فلكلّ منها مكانها وحسابها.
ينقل أنّ المرحوم الشيخ الأنصاري ـ وقد سمعت هذه القصّة سابقًا ـ كان في طهران، كان يقصد مكانًا، فرأى فجأة عقربًا تخرج من زاوية وتمشي، فقال: لدى هذه ممهمّة بأن تلدغ فلانًا. وفجأة سمعوا صوت ذلك المسكين يرتفع. لديها ممهمّة، لا بدّ أن تأتي وتلدغ فلانًا. أمّا ماذا فعل؟ ولماذا؟ فهذا ما لا نعرفه. هو يعلم والله يعلم (فالمدبّرات أمرًا) هؤلاء الذين يدبّرون.
كان النبيّ عيسى عليه وعلى نبيّنا وآله السلام يمشي يومًا، فوقعت عينه على شابّ، فقال: سيموت هذا الشابّ غدًا، غدًا سيموت. وفي اليوم التالي شوهد يمشي بين الناس، فقالوا: يا نبيّ الله! أنت قلت إنّه يموت؟! فتعجّب عليه السلام وقال: فلنذهب إليه نسأله عن حقيقة الأمر. هذا ما قيل لي. فجاؤوا وقالوا له: ما شأنك أيّها الشاب؟ لقد أخبر نبيّ الله بالأمس أنّك ستموت اليوم، وكلامه ليس كاذبًا! قال: لقد حدث لي أمر عجيب، فبينما كنت أسير بالأمس إلى الدار، رأيت عند العصر فقيرًا في طريقي، فساعدته قليلاً، تصدّقت عليه، ثمّ نمت واستيقظت عند الصباح فرأيت تحت فراشي ثعبانًا، وهذا يحصل، فقد كنت أدرس في مكان، وكان أحد أصدقائي يسكن في الطابق الأول وأنا في الطابق الثالث، فاستيقظ عند الصباح ـ وهو الآن في طهران من علمائها ـ فرأى تحت فراشه عقربًا، عقربًا سوداء كبيرة.
- سورة النازعات (۷٩) الآية ٥.
- عيون أخبار الرضا عليه السلام ج۱، ص ۱۸۰: والذي بعث محمدًا بالحق نبيًّا لقد نسجت الرياح في الهواء الغيوم وأرعدت وأبرقت وتحرّك الناس كأنّهم يريدون التنحّي عن المطر، فقال الرضا عليه السلام: على رسلكم أيّها الناس فليس هذا الغيم لكم، إنّما هو لأهل بلد كذا فمضت السحابة وعبرت، ثمّ جاءت سحابة أخرى تشتمل على رعد وبرق، فتحركوا فقال: على رسلكم فما هذه لكم، إنما هي لأهل بلد كذا، فما زالت حتى جاءت عشر سحب وعبرت ويقول علي بن موسى الرضا عليه السلام في كلّ واحدة: على رسلكم ليست هذه لكم إنما هي لأهل بلد كذا. ثمّ أقبلت سحابة حادية عشر فقال: أيها الناس هذه سحابة بعثها الله عزّ وجل لكم فاشكروا الله على تفضّله عليكم وقوموا إلى مقارّكم ومنازلكم فإنها مسامتة لكم ولرؤوسكم ممسكة عنكم إلى أن تدخلوا إلى مقارّكم ثمّ يأتيكم من الخير ما يليق بكرم الله تعالى وجلاله، ونزل من على المنبر وانصرف الناس، فما زالت السحابة ممسكة إلى أن قربوا من منازلهم ثم جاءت بوابل المطر فملئت الأودية والحياض والغدران والفلوات...
