
حتميّة التدبير في النظام التربويّ والاجتماعيّ
تتحدّث هذه المحاضرة حول فقرة أن لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا وتطرح مشكلة التعارض بينها وبين ما دلّ على ضرورة التدبّر والتفكّر والتدبير والتنظيم من آيات القرآن الأمرة بالتدبّر فيه والمتحدّثة عن التدبير والنظام في السموات والأرض وسيرة الأولياء في الدعوة إلى أعلى مراتب التنظيم في مختلف مجالات الحياة. وفي أثناء ذلك تعرّضت إلى موضوعات مختلفة: كضرورة الاهتمام بالقرآن وتلاوته والتدبّر فيه مدى الحياة وعدم تركه للقراءة على الأموات وقد توسّعت في شاهد على التدبّر في آية ولا تقف ما ليس لك به علم ضرورة صلاة الجمعة وأهميّتها وعينيّتها مضامين خطبة الجمعة ومواصفات الخطيب أهميّة الحجّ ومعنى الاستطاعة
حتميّة التدبير في النظام التربويّ والاجتماعيّ
10عندما توفّي المرحوم العلاّمة كان الكثيرون متأثّرين، في تلك الأيّام الأولى، لقد كان يتصوّرون أن الأمر قد انتهى، والموضوع قد انتهى، والسجلّ قد انتهى، كلّ شيء... ولا زلت أذكر عندما تكلّمت في تلك الليلة ويبدو أنّها كانت الليلة الرابعة قلت: عزيزي! لقد ختم سجلّ السيّد، ولكنّ سجلّ الله لم يختم، فلو أنّ سجلّ الله يختم، فحينها علينا أن نفكّر بحالنا. لقد كان هناك عبد، عبد صالح من عباد الله، وقد توفّي، وحتّى كان أرفع درجة من ذلك، وحسب قول سيّد الشهداء عليه السلام للسيّدة زينب في ليلة عاشوراء: يا زينب لقد كان أبي خيرًا منّي ومات، وأخي خير منّي ومات، وأبي وجدّي ماتا۱، فلم يختلف الأمر، الله لم يمت، فالله موجود، وطريق الله موجود. علينا أن نرى ما هو الطريق الذي جعله الله؟ لقد ظهر الآن في مظهر الرسول الخاتم النبيّ محمّد، وغدًا سيظهر من خلال مظهر عليّ المرتضى، وبعد غدٍ في مظهر الإمام المجتبى، وبعده... والآن فقط وفقط وفقط ظهر في مظهر بقيّة الله أرواحنا لتراب مقدمه الفداء، هذه هي المسألة، لا أكثر. فهذا هو الطريق وهذا هو الفكر. هذا هو الطريق فبسم الله! فأين هو مغلق؟ وأين فيه إبهام؟ وأين فيه إجمال؟
اخط في المكان الذي فيه يقين (ولا تقف ما ليس لك به علم) لا ينفعني ماذا قال حسن وماذا قال تقي وزيد وعمرو؟ هو ينفعهم هم، هو جيّد لهم. هم يعلمون هم، هذا فكري وهذا دماغي، وهذه أعصابي، هي في داخل هذه الجمجمة، هذا الدماغ وهذه الأعصاب هي في داخل هذه الجمجمة، نعم إذا غيّروا تلك الجماجم، فإنّ تلك الأمور ستتغيّر، لا إشكال في ذلك، جيّد جدًّا، لقد أعدّ الله لي هذه الاستعدادات، وسيؤاخذني على أساسها، فلأتحمّل المسؤوليّة. (أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها) فأين تذهبون؟! ماذا تصنعون؟! لا بدّ أن ندفع الحساب أيّها السادة عن كلّ عمل من أعمالنا! عن إشاراتنا، عن كلّ حديث من أحاديثنا، عن كلّ طرفة عين. غدًا سيأتون ويفتحون سجلّنا، ولن يمكن حينها من التعديل بذرّة واحدة. (وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين)٢ لو كان هناك مثقال واحد، يا سيّد أنت تحدّثت في ذلك اليوم بهذا الكلام فتأثّر فلان، وقد آذيته بغير سبب، لا بدّ أن يعفو عنك. وهنا يشرع القول لا بدّ ولا بدّ. لقد قمت في ذلك اليوم بذلك العمل فأدّى أن يبتعد إنسان عن طريق الله ويبرز عنده برود وانهزام ويمضي جانبًا. لا بدّ أن تأتي وتدفع الحساب، لقد ذهب هو جانبًا، وزوجته ذهبت، وأولاده، واللوازم التي حصلت... يوقفونك يا سيّد يوقفونك! بلا تأخير (وكفى بنا حاسبين) لا حاجة بنا إلى محكمة، لا حاجة إلى مدّع عام، لا حاجة إلى محكمة، نأتي بك وبسرعة نضع السجلّ أمامك. والسجلّ ليس خطيًّا التفتوا. لا تظنّوا أنّ الملائكة يحملون قلمًا ودواة يغمسونه فيها ويكتبون، كلاّ، فالملائكة يحتفظون بحصصنا الوجوديّة في كلّ زمان ضمن سعتهم الولائيّة، فالآن أنا أتكلّم معكم، فكلامي هو حصّة وجوديّة، جلوسي هذا هو حصّة وجوديّة، استماعكم وإنصاتكم حصّة وجوديّة، هم يحتفظون بهذه الحصّة الوجوديّة، لا بالصورة ـ وقد قلت لكم ذلك اليوم ـ لا تُلتقط صورة عن هذا المجلس، عين هذا المجلس بهذه الحصّة الوجوديّة، كما ترونه الآن تمامًا، أفهل تتصوّرون الآن أنّكم ترون "فِيلم" هذا المجلس أم عينه؟! أيّهما ترون؟ ليس فيلمًا، "الفيلم" هو الذي يلتقطونه ثمّ يجعلونه في آلة ويشاهدونه، يقولون: نعم، هذه صورة، الإنسان نفسه ليس حاضرًا في ذلك المجلس. ولكن الآن إذ تحضرون في هذا المجلس فأنتم على ارتباط مع الحصّة الوجوديّة له، أنتم على ارتباط واتّصال معه. عين هذه الحصّة الوجوديّة، أي ذات هذا الوجود الخارجيّ، ذات هذا الوجود العينيّ يظهر يوم القيامة لنا، لا صورته، عندها كيف يمكن أن ينكر؟ الصورة يقول يا سيّد لقد ركّبتها. والآن صار هذا الأمر متعارفًا، الآن في تأليف السجلاّت في هذه الدنيا يصنعون هذا، لا أدري. يبدّلون الصوت، يعدّلون الصورة، ماذا يفعلون، يصنعون سجلاًّ، ثم بعد ذلك يأتي الشرطيّ، هذا هو المعتاد بكلّ سهولة، وإن كان لذلك الرجل علاقات فإنّه يصرخ صرخة، وإلاّ فلا. قال:
- أبو مخنف، مقتل الحسين عليه السلام ص ۱۱۱: يا أخية اتقي الله ، وتعزى بعزاء الله ، واعلمي ان أهل الأرض يموتون ، وان أهل السماء لا يبقون ، وان كل شئ هالك الا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته ، ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده ، أبي خير مني ، وأمي خير مني ، وأخي خير مني ، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة.
- سورة الأنبياء (٢۱)، نهاية الآية ٤۷.
