
رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها
تتحدّث هذه المحاضرة عن رتبة مقام العبوديّة بين سائر المراتب، وكونه خيرًا من مقام الرسالة والولاية التكوينيّة وسببًا لهما، كما تتحدّث عن أمرين لا بدّ من مراعاتهما في موضوع المال من أجل تحصيل تلك العبوديّة، ألا وهما: ـ عدم التعلّق بالمال. ـ كيفيّة التصرّف فيه. وفي بيان مرتبة العبوديّة تحدّثت عن وصف الله لنبيّه بالعبد في آية الإسراء وفي التشهّد، رغم سيطرته على كافّة العوالم وولايته التكوينيّة عليها، موضحة المعنى الدقيق للولاية التكوينيّة والإمامة وعدم فائدة مختلف العلوم وخوارق العادات في نفسها، منتقدة الذين يقضون أعمارهم في معرفة علامات الظهور أو في تحصيل مادّة الإكسير لتحويل النحاس إلى ذهب أو تحصيل المال الوفير. كلّ ذلك من خلال قصص ومواقف للعلماء. وفي بيان عدم التعلّق بالمال تحدّثت عن الموت وضرورة التعامل معه بجدّ. وفي بيان كيفيّة التصرّف تحدّثت عن سيرة الأئمّة عليهم السلام في مراعاة شأن من يعطون وعن سيرتهم في مستوى المعيشة والملبس والمسكن وعن الموارد المستثناة من ذلك، ومنها موقف النبيّ مع عمّه العبّاس حين أسر وعدم رضاه بفكّه وحده، ومنها عدم رفع المهور عن مهر السنّة إلا في موارد خاصّة.
رتبة مقام العبوديّة وكيفيّة تحصيلها
14كلاّ علينا أن نتعامل بيقين! هذا هو الأمر الأوّل وأنّ على الإنسان والسالك، سالك طريق الله أن لا يكون له تعلّق بالمال مهما كان، سواء جعل الله له قليلاً أم كثيرًا لا فرق. المال مال الله. فأنتم إذا ذهبتم إلى مصرف فرعيّ عند الزقاق كم تجدون في ذخيرته وصندوقه؟ افترضوا مليونين، ثلاثة، خمسة، عشرة ملايين. أمّا لو قمتم وذهبتم إلى المصرف المركزيّ فكم تجدون في خزانته؟ كم مليارًا؟ فهل هذان الأمران يغيّران في نفوسكم شيئًا؟ كلاّ، فلا هذا لكم ولا ذاك، فهناك مكان أوسع وفيه أموال أكثر ولا علاقة له بك، وهذا على رأس زقاقك في خزانته مثلاً بضعة ملايين يرفع حاجة هؤلاء المراجعين من المستوى العاديّ. فهذا لا علاقة له بك. وعلى الإنسان أن يكون حاله بالنسبة إلى المال الذي جعله الله عنده هكذا. هذا هو الأمر الأوّل.
الأمر الثاني: كيفيّة صرف المال (مراعاة مكانة الإنسان)
أمّا الأمر الثاني فهو أنّه كيف يصرفه؟ فهذا الأمر مهمّ. كيف يصرفه؟ كما يقول الإمام الصادق عليه السلام: لا بدّ أن يصرفها بالطريقة التي يرضاها الله. بتلك الطريقة التي يرضاها الله.
نحن نرى أنّ هناك أمرين في الشرع لهما أهميّة:
الأول: الحاجة.
والثاني: موقعيّة الناس وشخصيّتهم. فهناك بعض الناس لهم مكانة من الناحية الاجتماعيّة، غاية الأمر أنّها ليست مكانة كاذبة وشخصيّة سفّاكة وظالمة، فقد كان منها في هذه الأزمان حيث كان يصل بعضهم إلى مكانة كاذبة من خلال الظلم وبإحياء الظلم وبالقضاء على المظلوم. كلاّ فليس المراد هو ذلك، بل أصحاب الثقافة والمكانة الاجتماعيّة، الذين لهم خصوصيّة وثقافة وأخلاق وهم ملجأ الناس في المجتمع، نجد أنّ الشرع والإسلام تعاطى معهم بطريقة خاصّة تختلف عن الذين هم جيّدون ولكنّهم من الطبقات العاديّة.
كيفيّة تعاطي أمير المؤمنين مع ابنتي يزدجرد
عندما فتح جيش الإسلام إيران وأسر ابنتَي يزدجرد ـ يزدجرد الثالث آخر ملوك الساسانيّين ـ جاؤوا بهما إلى المدينة وأراد عمر أن يعاملهم كما يعامل الآخرين ويعرضهما للبيع وكلّ من دفع أكثر أخذهما، ولكنّ أمير المؤمنين رفض ذلك وقال إنّ هذا خطأ لأنّ رسول الله قال: أكرموا كرام قوم ولو كانوا كفّارًا۱، لا بدّ من إكرام كبار كلّ قوم واحترامهم، فهؤلاء كان أبوهم ظالمًا ولكنّهما كانتا في محيطهما وفي ثقافتهما صاحبتي مكانة، وصاحبتي ثقافة خاصّة وخصوصيّات أخلاقيّة، فقد نشأتا في ظلّ تلك الثقافة وليس من الضروريّ أن تكون تلك الثقافة فاسدة، فمثلاً والدهما ملك من الملوك الساسانيّين، ولكنّ المحيط الذي نشأتا فيه ربّما تكون قد تعلّمتا فيه وصارت لهما نفس، صارت لهما نفس عزيزة، صارت لهما شخصيّة في نفسهما وبين أقرانهما، وصارت لهما مكانة خاصّة، وعلى الإسلام أن لا يجعلهما كغيرهما، وهذه هي حقيقة المسألة، فلو أنّ إنسانًا ذا قدرة ووضع، ابتلي ببعض الأمور، ألا تختلف نظرتنا إليه عن نظرتنا إلى سائر الناس؟ نحترمه احترامًا خاصًّا. وهذا من دقائق المنهج والنظام التربويّ الإسلاميّ. فالإسلام يريد أن يقول هذا: نحن نهتمّ أيضًا في الزوايا الروحيّة والنفسيّة للناس، فالمسألة ليست مسألة ظاهر فحسب، فحتّى من هذه النقطة نقوم بجذبهم وترغيبهم بالمعارف، عندما يشعر إنسان أنّه محترم في مكان ما...
- بحار الأنوار، ج٣۱، ص ۱٣٣: لما ورد سبي الفرس إلى المدينة أراد عمر بن الخطاب بيع النساء وأن يجعل الرجال عبيدا . فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : أكرموا كريم كل قوم . فقال عمر : قد سمعته يقول : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه وإن خالفكم .
