
الحريّة الدنيويّة والحريّة الإلهيّة
تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله الله ملكًا، وفي سياق بيانها لمعنى العبوديّة ـ والشيء يعرف بضدّه ـ تبيّن معنيين للحريّة: الحريّة الدنيويّة وهي تعني الطغيان والعصيان والتمرّد على القانون. والحريّة الإلهيّة وهي تعني التسليم والانقياد والعبوديّة لله. وفي بيان كلّ منهما توضّح ضرورة التفات الإنسان في عالم الدنيا إلى حقيقته وفقره وكون الأموال والمقامات والوجاهات سجنًا له. وكذلك ضرورة الالتفات إلى ملكيّة الله الحقيقيّة لكلّ العوالم. كما تعرّضت أثناء ذلك إلى نبذة من سيرة الميرزا الشيرازي وحكمته في التصرّف بالأموال ورعاية شؤون من يعطيه وأحواله وارتباطه بصاحب الزمان في قضيّة المشروطة.
الحريّة الدنيويّة والحريّة الإلهيّة
الوصف:
تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله الله ملكًا، وفي سياق بيانها لمعنى العبوديّة ـ والشيء يعرف بضدّه ـ تبيّن معنيين للحريّة: الحريّة الدنيويّة وهي تعني الطغيان والعصيان والتمرّد على القانون. والحريّة الإلهيّة وهي تعني التسليم والانقياد والعبوديّة لله. وفي بيان كلّ منهما توضّح ضرورة التفات الإنسان في عالم الدنيا إلى حقيقته وفقره وكون الأموال والمقامات والوجاهات سجنًا له. وكذلك ضرورة الالتفات إلى ملكيّة الله الحقيقيّة لكلّ العوالم. كما تعرّضت أثناء ذلك إلى نبذة من سيرة الميرزا الشيرازي وحكمته في التصرّف بالأموال ورعاية شؤون من يعطيه وأحواله وارتباطه بصاحب الزمان في قضيّة المشروطة.
الحريّة الدنيويّة والحريّة الإلهيّة
3أهميّة الشعور بالتقصير وباللوم
التفتوا جيّدًا، تارة يذنب الإنسان، وهو نفسه يعلم أنّه يذنب، وهو خجل من نفسه، آسف، دائمًا يلوم نفسه، وإذا ما التقى بإنسان عظيم ينشأ عنده شعور بالخجل. هؤلاء الناس لديهم طريق إلى النجاة، تلك النفس اللوامة تنبّههم دائمًا، تراقب أمورهم على الدوام، رغم أنّ العمل معصية، إلا أنّ النفس لا تزال على فطرتها الأولى، تدرك المعصية، وتدرك الطغيان أمام الله، وتلوم نفسها في ذلك، هذه هي النفس اللوامة، الموضع هنا هو موضع فلاح وهداية، موضع توبة وموضع استغفار. من الذي يتوب؟ من الذي يستغفر؟ هو الذي يستحي من عمل ما فيلوم نفسه، وباب التوبة دائمًا مفتوح لهذا الإنسان ولمن كان في هذه المرتبة. فلا نُضِع هذه الحالة، فإنّ مفتاح حركة الإنسان إلى الكمال وإلى التكامل هو هذه النقطة فحسب، وهي أن يجد الإنسان نفسه دائمًا مقصّرًا مدينًا لا متفضّلاً، دائمًا يشعر أمام أعماله وأفعاله، في أفعاله الشخصيّة والاجتماعيّة والأمور الداخليّة والخارجيّة أنّه مقصّر، على الإنسان أن يحافظ على حالة اللوم والخجل والشعور بأنّه مدين في نفسه. فمع هذا القلب لله عمل، ومع هذا القلب للملائكة عمل، مع الإنسان الذي لا يجعل على قلبه حجابًا، ولا يجعل قلبه محبوسًا ومحصورًا في التمنّيات والتوقّعات والتخيّلات والكثرات، لا يبني حول نفسه جدارًا، ولا يجعل نفسه منفصلاً عن الآخرين، وبعبارة أخرى لا يعدّ نفسه متميّزًا. فهذا الإنسان محروم من الرحمة الإلهيّة، والتوبة محالة بالنسبة إليه. فهذا هو الحرّ.
أمّا الحرّ الدنيويّ فهو من كان في مقام الطغيان، لا يريد أن يكون في مقام الطاعة، لا يريد أن يكون في مقام الانقياد، لا يريد أن يكون في مقام المتابعة. لقد قال لي المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه يومًا: إنّ درجات بعد وقرب أصدقائنا منّا هي بمقدار تسليمهم وطاعتهم لنا. بهذا المقدار، يعني لا معنى في هذا الطريق للمجيء اليوم وغدا والسنة الماضية وقبل عشر سنوات. لو أنّ إنسانًا جاء قبل عشرين سنة ولكن بقي في نفسه، فإنّه لم يأت إلى هنا، بدنه جاء إلى هنا، جسمه جاء إلى هنا، أمّا روحه ونفسه فهي تنفع تلك المرتبة، إنّه لم يحضر تلك المرتبة. وهو لا شأن له بالجسم والبدن، هو لا شأن له بآثاره وعوارضه، ما له شأن به لم يأت به، وما جاء به لا ينفعه، لذلك لو بقي عشر سنوات أيضًا فإنّه يبقى في مكانه، ولو بقي مائة عام فإنّه لا يتكامل سانيمترًا واحدًا، يبقى في حدود تخيّلاته، أما لو جاء إنسان وصنع ما ينفع هنا، فلو كان له مال فهو لا ينفع هنا، ولو كانت له إمكانات ومقام فإنّه لا ينفع هنا، فليأخذ إمكاناته ومقامه وليستعملهما في مكان آخر، ليتصرّف بمقدار الضرورة لنفسه، وليصرفه في ذلك الطريق الذي عيّنه الله، فإنّه لا ينفع هنا، إن كانت لديه مكانة اجتماعيّة فإنّها لا تنفع هنا.
