
الحريّة الدنيويّة والحريّة الإلهيّة
تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله الله ملكًا، وفي سياق بيانها لمعنى العبوديّة ـ والشيء يعرف بضدّه ـ تبيّن معنيين للحريّة: الحريّة الدنيويّة وهي تعني الطغيان والعصيان والتمرّد على القانون. والحريّة الإلهيّة وهي تعني التسليم والانقياد والعبوديّة لله. وفي بيان كلّ منهما توضّح ضرورة التفات الإنسان في عالم الدنيا إلى حقيقته وفقره وكون الأموال والمقامات والوجاهات سجنًا له. وكذلك ضرورة الالتفات إلى ملكيّة الله الحقيقيّة لكلّ العوالم. كما تعرّضت أثناء ذلك إلى نبذة من سيرة الميرزا الشيرازي وحكمته في التصرّف بالأموال ورعاية شؤون من يعطيه وأحواله وارتباطه بصاحب الزمان في قضيّة المشروطة.
الحريّة الدنيويّة والحريّة الإلهيّة
الوصف:
تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله الله ملكًا، وفي سياق بيانها لمعنى العبوديّة ـ والشيء يعرف بضدّه ـ تبيّن معنيين للحريّة: الحريّة الدنيويّة وهي تعني الطغيان والعصيان والتمرّد على القانون. والحريّة الإلهيّة وهي تعني التسليم والانقياد والعبوديّة لله. وفي بيان كلّ منهما توضّح ضرورة التفات الإنسان في عالم الدنيا إلى حقيقته وفقره وكون الأموال والمقامات والوجاهات سجنًا له. وكذلك ضرورة الالتفات إلى ملكيّة الله الحقيقيّة لكلّ العوالم. كما تعرّضت أثناء ذلك إلى نبذة من سيرة الميرزا الشيرازي وحكمته في التصرّف بالأموال ورعاية شؤون من يعطيه وأحواله وارتباطه بصاحب الزمان في قضيّة المشروطة.
الحريّة الدنيويّة والحريّة الإلهيّة
16كان المرحوم الميرزا في سامرّاء، وكان رجلاً عظيمًا. يأتي آية الله مشكوري لزيارة الميرزا، يصل إلى الكاظميّة، وكان هناك وكيله والذي يدعى السيّد إسماعيل الصدر وكان هو الآخر من الأعاظم، فقد كان وكلاؤهم أيضًا مثلهم، فلا تتصوّروا أنّه وكيل... ماذا أقول؟! كلاّ، لقد كان وكلاؤهم في المدن وفي البلاد لا يقصرون عنهم، فالسيّد إسماعيل الصدر رحمه الله كان من المراجع، ومن المشار إليهم في التقوى والروحيّة وظهور خوارق العادات. كان في الكاظميّة، وكان وكيلاً.
فعندما أراد [مشكوري] أن ينطلق من الكاظميّة إلى سامرّاء يأتي م+عه رجل غير مناسب، يلتفت إلى أنّه يريد أن يأتي للقاء الميرزا فيأتي معه، يصلان إلى سامرّاء فيستريحون في الليل، ويأتون عند الصباح إلى منزل الميرزا ليستأذنوا. عندما يطرَق الباب يأتي هذا الرجل أيضًا مع آية الله مشكوري ويدخلون... يقول الخادم: من؟ فيقول: قل له جاء مشكوري، ويقول ذلك الرجل: قل له أنّ فلانًا أيضًا موجود. فيمضي الخادم ثمّ يقول: يقول السيّد: ادخل أنت وحدك. فيريد ذلك الرجل أن يدخل وينزعج حيث لم يؤذن له. فالميرزا لم يسمح له ولماذا لم يسمح؟! فقد جاء لزيارته. يدخل مشكوري رحمه الله ويشرع الميرزا بتمجيده والثناء عليه، وبالطبع لم يكن بعد قد بلغ رتبة آية الله، بل كان واحدًا من الطلاب، وكان طالبًا فاضلاً في النجف، وكانت عائلة مشكوري مشهورة في النجف. وعندما يريد الخروج يعطيه الميرزا كيسًا من النقود المعروفة بالأشرفيّة، بل المجيديّة على ما يبدو والتي كانت للعثمانيّين سابقًا، يعطيه كيسًا ويقول: لتكن هذه عندك. كانت قيمتها مرتفعة جدًّا وكانت مبلغًا كبيرًا جدًّا. فيشكره. ثمّ يقول له: تعال غدًا أيضًا. فيأتي إلى تلك الغرفة، فيرى رفيقه أنّه... ـ بالطبع لم يكن رفيقه بل كان مصاحبًا له علّق نفسه به عسى أن يصل إلى الميرزا ـ ينظر فيرى أنّه لم يرجع خالي اليدين، فيقول: لعلّنا غدًا نقوم بعمل. في اليوم التالي يأتيان من جديد معًا إلى منزل الميرزا الشيرازي رحمه الله، يطرقان الباب، فيأتي الخادم ويقول: قال الميرزا ادخل أنت وحدك. يا للعجب! لماذا يصنع الميرزا ذلك؟ فيدخل ومن جديد يتأذّى ذاك الرجل. فما هذا العمل؟ هذه هي المرّة الثانية التي آتي فيها إلى هنا، هذا شيخ وأنا سيّد، فلماذا لا يسمح لي بالدخول؟! هذا ليس صحيحًا. على كلّ حال، انزعج هذا الرجل من جديد، فما هذا التصرّف؟ فيدخل مرّة ثانية ويستقبله المرحوم الميرزا بحفاوة ويعطيه كيسًا آخر، فيصبح معه كيسان. فيتعجّب ذاك الرجل، لماذا يعطيه المال هكذا؟ بالطبع كان الشيخ من عائلة محترمة جدًّا فالميرزا لا يعطي بدون سبب، بل له غاية وراء ذلك. فيأتي من جديد ويلتفت ذاك الرجل أنّه من جديد ذهب ورجع بيد ملأى، فيقول: هل لديك لقاء آخر؟ يقول: نعم قال الميرزا تعال غدًا أيضًا. فقال في نفسه: غدًا سأدخل بأيّ نحو. يبدو أنّه لا ينفع الحديث بكلام هادئ مع الميرزا. في اليوم التالي يأتيان إلى الميرزا ويأتي الخادم من جديد ويقول: يقول الميرزا ادخل أنت وحدك. لقد كان الخادم رجلاً قويّ البنية ولم ينتخبه الميرزا عبثًا. كان الميرزا نفسه نحيفًا ويحتاج إلى رجل كهذا. وعندما يريد أن يدخل ويغلق الخادم الباب، يجعل ذلك الرجل رجله بين دفّتي الباب ولا يدعه يغلقه ويختلف مع الخادم، فيضربه الخادم ويبعده ويغلق الباب ويدخل المنزل. ومن جديد يشرع الميرزا بالحديث مع ذلك الشيخ لنصف ساعة أو أكثر ومن جديد أيضًا يعطيه كيسًا آخر كما يعطيه مبلغًا من المال لأجل الطريق وتتمّة السفر ليرجع إلى النجف. فيأتي ويكون ذاك منزعجًا جدًّا، لقد كان منزعجًا بشكل كامل، قال: لا يمكن هكذا، لا بدّ أن أصل بنفسي إلى الميرزا بأي نحو. والحاصل أنّه يتّفق مع حارس المحلّة ويعطي مالاً لصاحب المتجر الذي هناك ويقول لهم: أريد أن أدخل إلى دار الميرزا، سواء بالسلّم أو بالحبل أو الزنجير، بأي وسيلة أريد أن أدخل إلى داه. فيقول له: لا بأس. فيأخذ منه المال، ويقول له: كيف تريد أن تدخل؟ يقول: أنا أقدر على الدخول من أعلى الجدار ـ وكأنّه رجل خبير بهذه الأمور ـ يقول: أتسلّق الجدار. قال: لا بأس. أنا أعطي المال لذلك الحارس الليلي وأقول له: لا تتردّد في ذلك الوقت من الليل إلى هذا المكان. وأنت اصنع ما شئت. والحاصل أنّ التاجر يرى ذلك الحارس الليلي ويقول له: لا تتردّد في الساعة كذا، هناك رجل يريد أن يتشرّف بمحضر الميرزا. فلا يأتي ذلك الحارس في تلك الليلة. لقد كان ذلك الرجل وحده عبارة من مجموعة كاملة منظمة. فلم يقل شيئًا. والحاصل أنّه تسلّق عبر شريط الكهرباء إلى الأعلى، فقد كان قد مدّ الكهرباء لأجل التلغراف ونحوه، ولم يكن آنذاك كهرباء. فتسلّق الرجل عبره ووصل إلى جدار المنزل، و منه ألقى بنفسه إلى باحة الدار. نظر فإذا الطابق الذي فيه الميرزا مضاء، فمثلاً كان في أواسط الليل، ولا يزال يتابع أعماله. فيأتي فجأة ويفتح الباب، والميرزا النحيف جالس بعمامة خضراء يتابع أعماله والأموال التي أحضرت له أمامه، يريد أن يوزّعها على مستحقّيها ويقول للخادم في اليوم التالي أن يقسّمها حصصًا، ويعيّن لكلّ حصّته. فما إن يرى هذا الرجل ذلك حتّى يقول: ما شاء الله كم هو نصيب عظيم! يا لسعادة حظّي! ينظر فيرى تلّة من الدنانير التي أعطى منها ثلاثة أكياس لذلك الرجل، وهي الآن بهذا الارتفاع إلى جانب الميرزا. والحاصل أنّه لم يسلّم بل يشرع بتعبئتها في عباءته وجيوبه وكلّ ما كان معه، فيملؤها، والميرزا ينظر إليه هكذا. فعندما يعبّئها جميعًا يلتفت إلى الميرزا ويقول: سلام عليكم! فيجيب الميرزا سلامه ثمّ يقول ذلك الرجل: أهذا وضع يا سيّد؟ يقول الميرزا: ماذا صنعنا يا سيّد؟ ماذا صنعنا؟
