
الحريّة الدنيويّة والحريّة الإلهيّة
تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله الله ملكًا، وفي سياق بيانها لمعنى العبوديّة ـ والشيء يعرف بضدّه ـ تبيّن معنيين للحريّة: الحريّة الدنيويّة وهي تعني الطغيان والعصيان والتمرّد على القانون. والحريّة الإلهيّة وهي تعني التسليم والانقياد والعبوديّة لله. وفي بيان كلّ منهما توضّح ضرورة التفات الإنسان في عالم الدنيا إلى حقيقته وفقره وكون الأموال والمقامات والوجاهات سجنًا له. وكذلك ضرورة الالتفات إلى ملكيّة الله الحقيقيّة لكلّ العوالم. كما تعرّضت أثناء ذلك إلى نبذة من سيرة الميرزا الشيرازي وحكمته في التصرّف بالأموال ورعاية شؤون من يعطيه وأحواله وارتباطه بصاحب الزمان في قضيّة المشروطة.
الحريّة الدنيويّة والحريّة الإلهيّة
الوصف:
تتابع هذه المحاضرة شرح فقرة أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله الله ملكًا، وفي سياق بيانها لمعنى العبوديّة ـ والشيء يعرف بضدّه ـ تبيّن معنيين للحريّة: الحريّة الدنيويّة وهي تعني الطغيان والعصيان والتمرّد على القانون. والحريّة الإلهيّة وهي تعني التسليم والانقياد والعبوديّة لله. وفي بيان كلّ منهما توضّح ضرورة التفات الإنسان في عالم الدنيا إلى حقيقته وفقره وكون الأموال والمقامات والوجاهات سجنًا له. وكذلك ضرورة الالتفات إلى ملكيّة الله الحقيقيّة لكلّ العوالم. كما تعرّضت أثناء ذلك إلى نبذة من سيرة الميرزا الشيرازي وحكمته في التصرّف بالأموال ورعاية شؤون من يعطيه وأحواله وارتباطه بصاحب الزمان في قضيّة المشروطة.
الحريّة الدنيويّة والحريّة الإلهيّة
13الأمر الثاني الذي أشير إليه في هذه العبارة ضمن الجلسات السابقة هو أنّ الإنسان إذا علم أنّ الملكيّة والتعلّق مختصّان بالله (ولله ملك السموات والأرض)۱ كلّ ما في السموات، في السموات السبع وفي الأرض، سماوات المادّة والجنّ، كلّ ما هو موجود مختصّ به. أي هو له، ملك له، الولاية والتصرّف له، يأخذ ويعطي، يبقي ويفني، مستولٍ على الخلائق. ما دام كذلك، فلا بدّ أن يصحّح الإنسان علاقته وارتباطه مع كلّ ما في وجوده في الخارج. فلا يمكنه أن يقوم بأيّ عمل يحلو له، لا يمكنه أن يتصرّف بأيّ تصرّف يريده، لا يمكنه أن يأمر وينهى كيفما شاء. لا بدّ أن تكون هذه الأمور ضمن نطاق التكليف، ضمن نطاق الرضا.
وما معنى التكليف؟ أي أن يرى الإنسان نفسه خارج القضيّة، يقولون: قم بهذا العمل. فيقوم به. إلهي! لقد قالوا لي قم بذلك. لا بأس. لا تفعل ذلك! لا بأس. لا ندخل أنفسنا في هذا التكليف، لا نشركها، لا نفتح لأنفسنا حسابًا في هذا التكليف، أن نحافظ على أنفسنا بعيدة عن هذا الأمر. فماذا يكون ذلك؟ يكون تصرّفًا في ملك الله. الإنسان يعلم أنّه يتصرّف في ملك الله. ليس هنا إلا واسطة واحدة، ليس هنا إلا جسر واحد للعبور، لا شيء أكثر من ذلك. لذلك لا بدّ من الدقّة في نوع التصرّفات، لا بدّ من الامتناع عن الإفراط في مكان ما، وعن التفريط في مكان، وينبغي أن لا يقصّر، أن لا يعرض، كلّ شيء يطبّقه على العقل وعلى الشرع وعلى العرف، لا بدّ أن يلاحظ الظروف في كلّ موضع. لقد أرسل أمير المؤمنين عليه السلام لرجل مقدارًا كبيرًا من التمر، فاعترض عليه رجل. فقال: أتعلم أنت وضعه لكي تعترض عليّ؟٢ لو أراد الإنسان أن يتعامل مع بعض الناس بنحو فلا بدّ أن يكون ملتفتًا إلى أنّ هذا التصرّف قد يؤدّي إلى حدوث توقّع بلا مبرّر من قبلهم. هذه المسألة مهمّة جدًّا. الخصوصيّات النفسيّة للناس في علاقتهم معه لا بدّ أن تلاحظ بشكل أكيد. فلملاحظة شخصيّة الناس وشؤونهم في علاقتهم مع الإنسان دور أساسيّ. فكلّ فرد هو في نفسه إنسان له صفاته وله أخلاقه.
- سورة الجاثية (٤٥) صدر الآية ٢۷.
- الكافي، ج٤، ص ٢٢: عن أبي عبد الله عليه السلام أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعث إلى رجل بخمسة أوساق من تمر البغيبغة وكان الرجل ممن يرجو نوافله ويؤمل نائله ورفده، وكان لا يسأل عليًّا عليه السلام ولا غيره شيئًا، فقال رجل لأمير المؤمنين عليه السلام: والله ما سألك فلان ولقد كان يجزئه من الخمسة الأوساق وسق واحد.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لا كثّر الله في المؤمنين ضربك! أعطي أنا وتبخل أنت؟ لله أنت إذا أنا لم أعط الذي يرجوني إلا من بعد المسألة ثم أعطيه بعد المسألة فلم أعطه ثمن ما أخذت منه؛ وذلك لأنّي عرّضته أن يبذل لي وجهه الذي يعفّره في التراب لربّي وربّه عند تعبّده له وطلب حوائجه إليه، فمن فعل هذا بأخيه المسلم وقد عرف أنّه موضع لصلته ومعروفه فلم يصدق الله عز وجل في دعائه له حيث يتمنّى له الجنة بلسانه ويبخل عليه بالحطام من ماله، وذلك أنّ العبد قد يقول في دعائه: اللهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات. فإذا دعا لهم بالمغفرة فقد طلب لهم الجنّة فما أنصف من فعل هذا بالقول ولم يحقّقه بالفعل.
