
الهويّة الثقافيّة للمجتمع الإسلاميّ ، وعدم تعلّق الإنسان بملكه
تدرس هذه المحاضرة موضوعين أساسيّن: الأول: ضرورة الحفاظ على أصالة الهويّة الثقافيّة للمجتمع الإسلاميّ وذلك من خلال المحافظة على معالم مثل المنبر النبويّ كنموذج. كما تدرس في هذا المجال حدود التفاعل الثقافي بين المجتمع الإسلاميّ والمجتمعات غير الإسلاميّة وتحدد المعيار فيما يؤخذ منها وما لا يؤخذ، وأنّه لا مانع من الأخذ بالنتاجات العلميّة والتقنيّة التي لا تمسّ هويّتنا الثقافيّة، مؤكّدة على ضرورة التفوّق العلميّ والتقني للمجتمع الإسلاميّ عملاً بالحديث الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. الثاني: معنى أن لا يرى العبد لنفسه ملكًا وأنّه عبارة عن عدم التعلّق وعدم سدّ المنافذ والسماح للتغيير والتبديل في الأمر، وقد استثني في الشرع من ذلك ما يرتبط بالعلاقة الزوجيّة حيت سدّ الشارع المنافذ وأحكم هذه العلاقة بجعل القواميّة للزوج، ومع ذلك فإنّ الزوجة هي أمانة لا بدّ من وضعها في موضعها الصحيح من التربية الإلهيّة وطريق التكامل. ومثّلت المحاضرة لعدم التعلّق وتقبّل التغيير بمواقف العلامة الطهراني في هجرتيه من النجف إلى طهران ومن طهران إلى مشهد. كما تعرّضت أثناء هذا البحث إلى موضوع دائرة ولاية الإمام وملكيّته وعنوان تصرّف الحاكم الشرعيّ في الحقوق الشرعيّة وأنّه وكيل لا مالك. خلافًا لبعض الفقهاء الذي يرونه مالكًا ومنهم السيّد أبي الحسن الأصفهاني، والذي نقلت عنه قصّة مع الشيخ الكمباني والشيخ المظفّر والشيخ البلاغي رضوان الله عليهم في عدم سماحه لهم بتدريس الفلسفة والعرفان والتفسير، إضافة إلى قصّة العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه مع آية الله البروجردي رحمة الله عليه.
الهويّة الثقافيّة للمجتمع الإسلاميّ ، وعدم تعلّق الإنسان بملكه
4ويجب أن يطرح المنبر للناس كمظهر من مظاهر الحضارة الإسلاميّة، لا الحضارة بمعنى المظاهر البرّاقة، بل الحضارة بمعنى الأصالة في الهويّة، الأصالة في ذلك الاستقلال الثقافي. في حين يقومون الآن بالاحتفاظ وبأيّة وسائل بغليون تشرشل في المتحف كرمز لسياسته، نأتي نحن وبكلّ بساطة نخلي الساحة للخصم وبشكل انفعالي [قائلین] إن لم نفعل ذلك فسيقولون عنّا متخلّفين، لقد تخلّفوا، علينا أن نكون منسجمين مع المجتمع، علينا أن نصنع كذا. في حين أنّ كلّ هذه الأمور كلّها تكشف عن روحيّة الانفعال، وروح التأثّر.
بعض أصدقائنا هم أئمة جمعة لبعض المناطق، وأوّل ما قاموا به أنّهم جاؤوا بمنبر. عندما أرادوا أن يكونوا أئمّة جمعة فإنّ المرحوم العلاّمة نبّههم على بعض الأمور، وكان منها أنّ عليكم أن تخرجوا المنصّة وتضعوا مكانها المنبر ثمّ ترتقون المنبر ثمّ تلبسون الرداء كما كان رسول الله يلبس الرداء لا هذه العباءة، بل الرداء، أي تلبسون جبّة ثمّ تلبسون فوقها قطعة من القماش على أكتافكم وتكون ذات لون أبيض أو أصفر كما هي سنّة رسول الله حين إقامة صلاة الجمعة حيث كانت بهذه الطريقة ـ ولكنّا لم نصغ إلى هذه الأمور ـ [كان يقول] عليكم أن تذهبوا إلى صلاة الجمعة بهذا النحو ثمّ تتحدّثون، وليس لدينا مجال اليوم للحديث عن كيفيّة صلاة الجمعة وخصوصيّتها، فلو بيّنا للأصدقاء لعلموا كم يمكن أن يكون لصلاة الجمعة هذه من الآثار العجيبة، وكم العدوّ خائف من صلاة الجمعة هذه، بشرط أن تتحقّق هذه الصلاة في ظلّ الاقتداء بسنّة رسول الله.
رحم الله المرحوم م الشيخ حمّد تقيّ المجلسيّ والد العلاّمة محمّد باقر المجلسي صاحب كتاب بحار الأنوار، الكتاب المعروف جدًّا، فإنّه يتحدّث في شرحه وبيانه لصلاة الجمعة في كتاب شرح من لا يحضره الفقيه فيقول: كم من المناسب أن يقوم الخطيب إذا ارتقى المنبر ووعظ الناس بالحديث عن المسائل الأخلاقيّة ويقرأ بعض الأشعار الأخلاقيّة للنّاس بصوت عال، وكم من المناسب أن يقرأ من أشعار مولانا محمّد البلخي ومثنوي، فيقرأ هذه الأشعار للنّاس۱. حينها ستلاحظون أنّ الخطبة التي هي مع هذه المسائل الأخلاقيّة والأشعار الحكميّة والعرفانيّة لأعاظم الدين هؤلاء كم لها من البهجة والسرور على الناس بحيث إنّ هذه الروحانيّة وهذا النور وهذه البهجة يمكن أن تبقى إلى أسبوع تحيي الناس وتجعلهم في أفضل حال، وتجعلهم في حالة من النشاط، وتجعلهم ملتفتين بشكل كامل إلى مسائل الآخرة و...
- لوامع صاحبقرانى، ج ٤، ص ٥٦٦؛ مطلع انوار، ج ٥، ص ٣۱: وإن رأى من المناسب أن يذكر طرائف الحكم والتي هي أكثر تأثيرًا، كما روي في الحسن كالصحيح عن حضرة أمير المؤمنين صلوات الله عليه: إنّ هذه القلوب تملّ كما تملّ الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكم (نهج البلاغة، ج٤، ص ٢۰ )، ومن ذلك أشعار المحقّقين كالحكيم الغزنويّ والحكيم الرومي والعطّار وغيرهم."
