أهم محتويات المقالة: - الدعوة إلى الله ينبغي أن تكون بإذن الله؛ - أمر الإمام الصادق هشام بن الحكم بالكلام ونهي الإمام الكاظم إياه؛ - مواجهة الأئمة للظالمين كان بأمر الله؛ - إذن الإمام وأثره في صحة العمل؛ - كون الحرب والسلم بإذن الإمام؛ - نهي الإمام الباقر زيداً عن الثورة؛ - و...
الدعوة إلى اللَه بإذنه
الوصف:
أهم محتويات المقالة: - الدعوة إلى الله ينبغي أن تكون بإذن الله؛ - أمر الإمام الصادق هشام بن الحكم بالكلام ونهي الإمام الكاظم إياه؛ - مواجهة الأئمة للظالمين كان بأمر الله؛ - إذن الإمام وأثره في صحة العمل؛ - كون الحرب والسلم بإذن الإمام؛ - نهي الإمام الباقر زيداً عن الثورة؛ - و...
الدعوة إلى اللَه بإذنه
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيدنا نبيّنا محمّد وعلى آله الطاهرين
واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.
الدعوة إلى الله ينبغي أن تكون بإذن الله
{يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنيراً}۱ في الليلة الماضية وبعد أن ذكرت بعض المطالب للإخوة، تردّدت في الموضوع الذي ينبغي أن أطرحه كمقدّمة لأسئلتهم، والتي حتّى الآن لم يصلني منها سوى سؤال واحد.. ولعلّهم لا يريدون أن يحرجوني في جهلي بالمطالب التي يطرحونها، وعلى كلّ حال هم يعلمون أنّا لسنا في مقام التعليم والتعلّم، ولكن جئنا وقمنا بزيارة الإخوان ونريد أن نستفيد منهم ونتحدّث معهم ونجيبهم. فسواء طرح حديث وموضوع أو لم يطرح فليس مهمّاً، بل المهمّ هو زيارة الإخوان والأصدقاء، وإلى جانب ذلك إن كان هناك مسألة مفيدة فما أجمل أن نطّلع عليها جميعاً. وقد رأيت أنّ الأفضل هو أن نستمرّ في بيان ما بدأنا به الليلة الماضية، ونفصّل في بعض المسائل التي كثر السؤال حولها، والموضوعات التي تدور حولها الرسائل والأسئلة في مواقع الإنترنت، والمسائل التي تختلج في الذهن؛ سواء خرجت على اللسان أو تمّ التلميح إليها بكلّ مؤدّب وفي كامل احترام، فعلى قدر ما تتّضح هذه المسائل فإنّ طريقنا وممشانا وطريقة تفكيرنا وسلوكنا يمكن أن تتبلور بشكل أفضل وتبتعد عن الآفات.
يقول الله في هذه الآية يا رسولنا نحن أرسلناك شاهداً على أعمال الأمّة، ومبشّراً بالرحمة الإلهيّة، ومنذراً من نتيجة الأعمال السيئة. ثمّ ما هي الوظائف الأخرى التي كلّفتَ بها أيها النبي؟ {وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنيراً}. وينبغي التدقيق في كلّ كلمة كلمة من هذه الآية، فالدعوة ينبغي أن تكون بإذن الله، لا من قبل الداعي ومن تلقاء نفسه متذرّعاً بأنّي أحسست بالتكليف، وشعرت بالمسؤوليّة، وخطر في ذهني أن أفعل كذا، ولو لم أفعل لأطبقت السماء على الأرض وما شابه ذلك... فهذه هي المسائل التي يتذرّع الإنسان بها عادة، وهي لا تداوي لنا داءً، ولا تبيّن لنا طريقاً. ينبغي أن تكون الدعوة مرتكزة إلى إذن، كان قد انقضى على عمر رسول الله أربعون سنة ولم يكن دعا أحداً، كان يذهب بنفسه إلى غار حراء.. وقد ذهبت ذات يوم إلى غار حراء قبل عدّة سنوات، وكنت وحدي، وقد اخترت الذهاب وحدي ولم أخبر أحداً حين خروجي، واتفاقاً لم يكن في جيبي من المال شيء كثير، ربمّا كان يكفي لأجرة الذهاب والإياب لا أكثر، فذهبت إلى الغار، وجلست هناك في مقابل مكّة، وعدتُ بنفسي إلى ألف وأربعمائة عام مضت، حيث كان رسول صلّى الله عليه وآله يقضي في هذا الغار الأيام والأسابيع دون ارتباط بأحد، فماذا كان يريد وعمّا كان يبحث؟ ولمَ اعتزل مكّة والناس المرتبطين به؟ وفي ذلك الكثير من الأخبار، وإحدى المسائل التي خطرت في ذهني أنّ السيّدة خديجة سلام الله عليها لم تخاطب النبيّ يوماً وتسأله: إلى أين أنت ذاهب؟ ألست بزوجي ونعيش تحت سقف واحد؟ لقد كان يقضي الأسابيع هناك بغير ماء ولا طعام، وأنا لا يمكنني أن أتخلّى عنك، لا بدّ أن أحضر لك الطعام والشراب، وربّما مرضت فلا بدّ أن آتي لك بالدواء، فكان يأتي وربّما يبقى أربعين يوماً، وهذه الإقامة كانت تطول عادة لأسابيع، ورغم ذلك لم تنبس هذه المرأة ببنت شفة اعتراضاً عليه، بل كانت في خدمته، وكانت تأتي إلى الغار أحياناً حافية، وبينما كنت أفكّر في ذلك وفي بعد المسافة الفاصلة بين الغار ومكّة إذ جاء رجل إلى الغار وكان فقيراً فقلت في نفسي: يبدو أنّ عليّ الآن أن أدفع له ما تبقّى في جيبي لأرجع ماشياً!! فأعطيته ما كان في الجيب، وربما لم يكن ليتجاوز العشرة ريالات، فرجعت ماشياً، وقال لي الله اقطع هذه المسافات واجتز هذا الشارع ثمّ هذا ثمّ ذاك لتدرك كيف كانت تأتي أمّك؟ وكيف كانت تطوي هذا المسير، فلم تكن لتأتي راكبة دائماً، نعم أحياناً كانت تركب، لكن غالباً ما كانت تأتي ماشية، وفي ذلك كلّه أسرار ولماذا كان يحدث؟ فقد مشيت ومشيت حتّى تعبت، وقد جلست للاستراحة في أماكن عدّة، إلى أن وصلت إلى المنزل والذي كان قريباً من المسجد الحرام ولم يكن بعيداً. حسناً فماذا كان النبيّ يصنع خلال هذه الأربعين سنة؟ لماذا لم يقم بإنذار الناس؟ ألم يكن مأموراً بالتوحيد وبالشريعة؟ فلماذا لم يقم بذلك؟ لأنّه لم يأته إذن بعد؟ وهذه مسألة عجيبة جدّاً، نحن نظنّ أنّ الدين متوقّف علينا، فلو رفعنا أيدينا ووقفنا جانباً فسوف تهبط المنظومة الشمسيّة على الأرض، لا يا عزيزي! الدين ليس متوقّفاً علينا، فنحن جزء من ملايين ملايين الوسائط الذين يضعون بعض المطالب بين أيدي الناس، نقوم بذلك مستعينين بما عندنا من معلومات ومسائل جمعناها، هذه هي حالنا لا أكثر من ذلك. فالنبيّ صلّى الله عليه وآله لم يكن يخطر في باله أن يأتي ويقول للناس ما يعرف ليخرجهم من الوثنيّة، لم يكن يفكّر في ذلك، وأنّ هؤلاء يعبدون الأصنام ويعيشون في الجهل، فمن يقوم بأعباء مسؤوليّتهم وإلى من يترَكون؟ لماذا نتركهم يعبدون الأصنام؟ فلأنهض ولأطرح الرسالة بعد عشر سنوات أو بعد خمس عشرة سنة أو عشرين سنة لا بعد أربعين سنة، فنحن الآن هكذا نفكّر والنبيّ كان صاحب فكر مثلنا، فلماذا لم يقم بالدعوة مع علمه بهذه المسائل؟ ولماذا لم يمنع عن عبادة الأصنام؟ فهؤلاء الناس من حوله يعبدونها، كان عليه أن يقول لهم: اتركوها وتعالوا إلى التوحيد، لماذا لم يفعل ذلك؟ لأنّه لم يكن مأموراً، الناس يعبدون الأصنام فليعبدوها وما علاقة ذلك بشخصي أنا النبيّ، فليعبدوها! لهم ربّ ولهم عقول، وهم ليسوا مجانين، فأبو سفيان وأبو جهل اللذان كانا يعبدان الأصنام، هل كان أحد يجبرهم على فعلهم هذا؟ أيصنع الإنسان صنماً من التمر حتّى إذا ما جاع أكله؟ فعند وفرة التمر كانوا يصنعون منه أصناماً، حتّى إذا ما حصل قحط وجوع قاموا وحملوا عليه؛ فمنهم من يأكل رأسه، ومنهم من يأكل يده، ومنهم من يأكل رجله، ومنهم من يأكل أعضاء أخرى كلّ بحسب ما يصله وبحسب قسمته ونصيبه... فيأكلون الصنم الذي صنعوه بأيديهم ولا يتركون منه شيئاً، ألم يكن النبيّ يرى ذلك؟ بل كان يراه، وبما أنّه كان يراه فلماذا لم يكن يقدم على فعل أيّ شيء من أجل هداية الناس؟ كونه غير مأمور بالتبليغ لا يجعله غير مدرك لخطأ هذه الأعمال، فقد كان يعرف وحدانيّة الله، وكان يعرف المعاد، وكان يعرف الصلاة، فنفس تلك الصلاة التي كان يصلّيها في غار حراء هي التي كان يصليها بعد البعثة، لا أنّ الصلاة فرضت على النبيّ صلّى الله عليه وآله بعد البعثة، بل كان النبيّ يصلّي صلاة الصبح في غار حراء ركعتين اثنتين، وصلاة الظهر أربع ركعات وهكذا سائر الصلوات، ولم يحدث أيّ تغيير فيها، كلّ ما تغيّر هو القبلة فقط، حيث كانت إلى بيت المقدس وصارت إلى الكعبة، ما هو المطلب الذي يمكن أن نستفيده من هنا؟ نستفيد أنّ الناس ودينهم وممشاهم ليس موقوفاً على أحد، ففلان يقوم بعمل قبيح مثلاً ما هو ربطه بالآخرين! يقوم بعمل حسن، لا ربط له بالآخرين أيضاً! ما ينبغي النظر إليه هو: هل أنا موظّف من قبل الله المشرّع الأوحد بأن أدعو الناس إلى ما أعرف أم لست مكلّفاً؟ هذا هو المهمّ، إن لم أكن مكلّفاً فليفعل الناس ما يحلو لهم، ولا ربط لي بذلك، إن كنت مكلّفاً فلا بدّ أن أقوم بتكليفي، الوصول إلى هذه القاعدة يوضّح الكثير من المطالب، ويكشف له الأسرار، ويحدّد للإنسان تكليفه. ففي بعض الموارد يقال للإنسان: تكلّم بهذا الكلام ـ كما ذكرنا بالأمس ـ وفي مورد آخر يقال له: لا تتكلّم به.
- سورة الأحزاب، الآيتان ٤٥ و ٤٦.

