
السلوك بين الحقيقة والادّعاء وبعض وظائف المبلّغين في عاشوراء
أهم محتويات المقالة: - مقدّمة في بيان مظلوميّة العرفان؛ - المشاركة الصِرفة في مجالس العرفاء لا تجعل الإنسان عارفاً؛ - عرض لبعض أساليب الشيطان في النفوذ إلى النفس؛ - بيان لأصناف الناس الذين يتتلمذون على يد العرفاء والأولياء؛ - بيان لأنواع دساتير وأوامر العرفاء والأولياء، والفرق بينها؛ - على الإنسان أن يمضي في طريق الحقّ وأن ينفّذ تكليفه مهما كان الثمن المدفوع؛ - على الإنسان أن يمضي في طريق الحقّ دون الالتفات إلى الآخرين؛ - بعض الوصايا والتنبيهات للأصدقاء؛ - و...
السلوك بين الحقيقة والادّعاء وبعض وظائف المبلّغين في عاشوراء
8السمات عصر الجمعة في النجف، وكان منهم ابن المرحوم آية الله الميلاني، وكلّ هؤلاء قد توفّوا، ومنهم المرحوم الشيخ عبّاس القوچاني، فهو أيضاً كان يصرّ على السيّد العلاّمة بالبقاء، واثنان منهم كانا من أقارب المرحوم السيّد عبد الهادي الشيرازي نفسه، حتّى بعض المراجع الحاليّين في النجف ممّن كان يباحث المرحوم الوالد في الدروس كانوا يصرّون عليه بشكل عجيب أن يبقى في النجف، وهم نفسهم يعترفون بذلك، فقد كانوا يقولون: إذا بقيت فإنّ المرجعيّة ستنحصر فيك، فوضعيّة سماحة السيّد الوالد وتقواه وخصوصيّاته كانت شاهدة على ذلك، والجميع كانوا مذعنين لهذا الأمر.
و لكن عندما جاء حكم أستاذه انتهى الأمر، وما قيل له من أنّ بقاءه تكليفٌ شرعيٌّ، وأنّ مصلحة النجف تقتضي بقاءه، وأنّه ماذا ستقول لله تعالى إذا حاسبك، وأمثال ذلك من عبارات.. كلّ ذلك وضعه جانباً ولم يعبأ به، فالأستاذ قد قال: اذهب! ونحن نقول: في أمان الله، ذهبنا! فهل أنا القيّم على الدين حتّى يحترق قلبي على الدين، وأقول في نفسي: إذا لم أذهب إلى هذا المجلس فإنّ هؤلاء الأفراد سيضيعون، فلا بدّ أن أذهب وأصير محطّاً لإعجاب الجميع!! فهل أنا القيّم على الدين؟! كلاّ، إنّ القيّم على الدين رجلٌ آخر، إذا لا يوجد قيّم للدين في هذا العالم سوى رجلٍ واحدٍ لا غير وهو حضرة وليّ العصر أرواحنا فداه وحسب. وأمّا باقي الأفراد فنحن نسعى لأن نتقرّب منه، فبعضنا قريب بمقدار متر واحد، وبعضهم أقرب، والبعض الآخر أشدّ قرباً وهكذا، وفي المقابل هناك من يبعد نفسه بشكل مستمرّ، فتجده في كلّ يوم أبعد وأبعد! وفي النهاية فإنّ قيّم الدين واحدٌ لا أكثر!
قبل بضعة ليالي كنت في مشهد، وكنت أتحدّث مع الرفقاء هناك، فقلت لهم: ينبغي على الإنسان أن يحافظ على حالة من الاعتدال؛ الاعتدال بين طرفين، وكيف أنّ بعض الناس يسألون: كيف يمكن للدين والتصوّر الديني والتوهّم الديني عند الإنسان أن يصير مانعاً للإنسان؟
إنّ بعض الناس يميلون دائماً إلى جانبٍ دون آخر، مثلاً لو قيل لهم: إنّ الله تعالى قد خيّركم بين أن تتولّوا إقامة الصلاة في هذا المسجد... (انتبهوا، فهذا الموضوع دقيق جدّاً، وينبغي لنا أن نختبر أنفسنا بالنسبة له، ونحاسب أنفسنا جيّداً!!)، افرضوا أنّ الله تعالى قد خيّركم بين أن تتولّوا إقامة الصلاة في هذا المسجد أو في تلك الثكنة العسكريّة الكبيرة، فتجد أنّه يقول فوراً: بل أريد أن أذهب إلى الثكنة العسكريّة! فلماذا ذلك؟ سبب ذلك أنّه يميل إلى هذا الجانب، فحتّى شكله وشاكلته كذلك، والحال أنّ الأمر لا يختلف بالنسبة إلى الله تعالى، فالله تعالى يقول له: أنا سأعطيك نفس الثواب هنا أو هناك، وستحصل على نفس الدرجة سواء ذهبت إلى ذلك المسجد الواقع في محلّة صغيرة ولا يحضر فيه أكثر من خمسة عشر شخصاً، أم ذهبت إلى تلك الثكنة العسكريّة التي تضمّ خمسة آلاف شخص، كما أنّ العديد من الضباط والقادة يحضرون فيها ويستمعون إلى خطبك! حسناً.. إذا كنّا نحن في هذه الموقع فماذا كنّا سنقول؟ طبعاً كنّا سنختار الذهاب إلى الثكنة العسكرية، فأوّلاً هنا يحضر خمسة عشر شخصاً بينما يحضر خمسة آلاف شخص هناك، فما نقوله هنا لن يسمعه إلاّ خمسة عشر شخصاً، بينما هناك سيسمعه خمسة آلاف شخص، وهنا لن يعمل بكلامنا إلا خمسة عشر شخص بينما هناك سيستفيد منه خمسة آلاف شخص... وهكذا نقوم بنسج وحياكة هذه التوجيهات
