
الولاية التشريعيّة فرع الملكيّة والولاية التكوينيّة
تتحدّث هذه المحاضرة حول فقرة أن لا يرى العبد لنفسه ملكًا، وتبيّن أنّ ثبوت حقّ التصرّف في الأمور هو فرع ملكيّتها الحقيقيّة، وتُرتِّبُ على ذلك انحصار حقّ الأمر والنهي المطلقين بالله لأنّه هو المالك الحقيقيّ لنا، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد وله الولاية التكوينيّة علينا، وحيث إنّ المعصومين وصلوا إلى مقام العبوديّة وأدركوا أنّهم مظهر لولاية الله التكوينيّة فإنّهم لهم وحدهم الولاية المطلقة في الأمر والنهي وولايتهم عين ولاية الله لا شيء آخر. وقد بيّنت المحاضرة أثناء بيان انحصار الملكيّة بالله قصّة من سرق بستانًا مبرّرًا سرقته بالرؤية التوحيديّة، ثمّ عالجت هذه الآفة السلوكيّة وبيّنت خطر النفس في كيفيّة توجيه الأدلّة والمبرّرات، وكيفيّة مواجهتها بالمراقبة. كما بيّنت أثناء ذلك قصّة لبايزيد البسطامي مع الكلب الذي وعظه بمواعظ ثلاث، مؤكّدة أنّ السير والسلوك ليس بعدد السنوات بل بالعبوديّة.
الولاية التشريعيّة فرع الملكيّة والولاية التكوينيّة
5وأنا من نفسي أذكر نموذجًا لذلك، فمن العلماء الذين دفنوا في قزوين المرحوم الشيخ الملا محمّد تقي البرقاني، والذي قتل على أيدي البهائيين وجماعتهم في مرقد حسين بن الإمام الرضا (شاهزادة حسين). فقد كان هذا الرجل يقف بقوّة أمام إقامة صلاة الجمعة في قزوين عندما كانت تقام، فقد كان أحد علماء قزوين يقيمها وكان ذاك يواجهها بشدّة، وكان يجعل أغلب مجالسه لردّ وإنكار إقامة صلاة الجمعة ويجمع الناس وأصحابه ومريديه فيها. وفي جمعة من الجمعات سافر إمام جماعة قزوين إلى طهران ورجع، فذهب هو وصلّى الجمعة مكانه، حيث لم يكن هناك أحد غيره. فرجع ذلك الرجل وقال: أنا لم أفهم أيّ حكم شرعيّ هذا الذي يختلف مائة وثمانين درجة بسبب السفر إلى طهران والرجوع. وصار من مؤيّدي إقامة صلاة الجمعة، وشرع في الاستدلال على ذلك، وصار اسمه الشهيد الثالث أيضًا وهو مدفون في قزوين.
سبب خطورة عداوة النفس عند جميع الفئات وخصوصًا العلماء: كونها عدوّ للباطن لا للبدن
انظروا! فهذه المسألة لا تختصّ بفئة معيّنة أو فئتین. وخصوصًا فيما يرتبط بنا نحن العلماء ورجال الدين فإنّ المسألة خطيرة جدًّا وحسّاسة، أن كيف تأتي نفس في مكان ما [وتبدّل موقعها] وقد رأيت ذلك في كلّ فئات الناس، وفي كلّ الاختصاصات وفي كلّ الحرف، لماذا؟ لأنّ النفس موجودة عندنا جميعًا. ولا إشكال في ذلك وفي النهاية على الإنسان أن يكون في مقام الإصلاح، وفي النهاية نحن أصحاب نفس، وأنتم عندكم نفس أيضًا جميعنا نمتلك نفوسًا، لو كنّا جميعًا كمّلاً لما كانت لنا حاجة إلى الطريق والسير، ولما كانت حاجة إلى المراقبة وأمثالها، الجميع أصحاب نفوس.
والنبيّ الأكرم أيضًا يقول: أعْدَى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ التي بَيْنَ جَنْبَيْكَ۱ لماذا؟ لأنّ أيّ عدوّ من الأعداء إنّما يتعامل مع أبداننا، له شأن مع أجسادنا الماديّة، له شأن مع أبداننا الظاهريّة وهذه الدنيا، أمّا النفس فلها شأن مع أبداننا الأخرويّة، مع أرواحنا وأسرارنا وبواطننا وحقائقنا، وتمنعها من الحركة وتمسك بها وتقف أمامها، فكم يتّفق أن يكون للإنسان وجهة نظر في مسألة ما ثمّ يكتشف أنّ رأيه فيها كان نفسانيًّا. وقد طرحه هنا وهناك وقام بنشره هنا وهناك وبثّه هنا وهناك وأفسد وربّما أدّى إلى اختلاف، ثمّ يُعلم بعد ذلك أنّه يا للعجب! لقد كانت المسألة نفسيّة، أصلاً لم تكن المسألة هكذا. حتّى رسول الله يقول في عبارة: إنّ لكلّ إنسان نفسًا٢ فيسأل ألك يا رسول الله نفس؟
- معرفة الله ؛ ج۱ ؛ ص۱٩٤: نُقِلَ هذا الحديث في« بحار الأنوار» ج ۱٥، ص ٤۰، في الجزء الثاني المتعلّق بالأخلاق، طبعة الكمبانيّ، نقلًا عن« عُدّة الداعي». و أوردها كذلك المرحوم آية الله بحر العلوم في الرسالة المنسوبة إليه، ص ٩٤. و ذكرتها أنا الحقير في رسالة« لبّ اللباب» و هي مجموعة دروس و تقريرات الاستاذ العلّامة، ص ۷٣. و جاء ذكره أيضاً في« حدائق الحقائق» ص ۷۱۱.
- عوالي اللآلي ابن أبي جمهور الأحسائي ج٤، ص ٩۷ عن مسند أحمد بن حنبل ج۱ ص ٢٥۷: وروي عنه ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : " ما منكم أحد الا وله شيطان " ، فقيل له : وأنت يا رسول الله ؟ فقال : " وأنا ، ولكن أعانني الله عليه فأسلم "
