
الولاية التشريعيّة فرع الملكيّة والولاية التكوينيّة
تتحدّث هذه المحاضرة حول فقرة أن لا يرى العبد لنفسه ملكًا، وتبيّن أنّ ثبوت حقّ التصرّف في الأمور هو فرع ملكيّتها الحقيقيّة، وتُرتِّبُ على ذلك انحصار حقّ الأمر والنهي المطلقين بالله لأنّه هو المالك الحقيقيّ لنا، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد وله الولاية التكوينيّة علينا، وحيث إنّ المعصومين وصلوا إلى مقام العبوديّة وأدركوا أنّهم مظهر لولاية الله التكوينيّة فإنّهم لهم وحدهم الولاية المطلقة في الأمر والنهي وولايتهم عين ولاية الله لا شيء آخر. وقد بيّنت المحاضرة أثناء بيان انحصار الملكيّة بالله قصّة من سرق بستانًا مبرّرًا سرقته بالرؤية التوحيديّة، ثمّ عالجت هذه الآفة السلوكيّة وبيّنت خطر النفس في كيفيّة توجيه الأدلّة والمبرّرات، وكيفيّة مواجهتها بالمراقبة. كما بيّنت أثناء ذلك قصّة لبايزيد البسطامي مع الكلب الذي وعظه بمواعظ ثلاث، مؤكّدة أنّ السير والسلوك ليس بعدد السنوات بل بالعبوديّة.
الولاية التشريعيّة فرع الملكيّة والولاية التكوينيّة
16فإذن من هنا يقول سيّد الشهداء عليه السلام إنّ معرفة الله هي معرفة أهل كلّ زمان إمامه الذي يجب عليهم طاعته، إمام الزمان الذي يجب عليهم طاعته. ولذلك لأنّ ولايته هي ولايته، وإلا فإنّ معرفتهم كمعرفة الناس العاديّين ككونه زيد ابن عمرو، وولد في هذه السنة وله من الدراسات هذا المقدار وفي أمان الله. فما هذه المعرفة؟ ما هذا الأمر؟ لماذا نحن مكلّفون بأن نحصّل معرفة بإمام الزمان؟ لماذا؟ لأنّ إمام الزمان وجوده وصل إلى مرتبة العبوديّة المطلقة، فلأنّه وصل إلى العبوديّة المطلقة تتجلّى فيه الولاية التكوينيّة.
استحالة ثبوت الولاية الشرعيّة المطلقة دون الولاية التكوينيّة
وعلى هذا الأساس فهل يمكن أن نقول إنّ لدينا ولاية شرعيّة فقهيّة مطلقة؟ مطلقة بشكل مطلق، أيّ نحو من الإطلاق هذا؟! القرآن نفسه يقول: (وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)۱ لا يمكن لمؤمن ولا لمؤمنة إذا قضى الله ورسوله ـ التفتوا هنا فالله والرسول هنا واحد، حقيقة واحدة ـ فإذا قضى الله والرسول حكمًا لا يمكن لأيّ مؤمن ومؤمنة أن يخالف أمرًا، مطلقًا مهما كان، فلو جاء النبيّ وقال: لا بدّ أن تطلّق زوجتك فيجب على الإنسان على الفور أن يطلّق. ولو قال النبيّ: لا بدّ أن تنفصلي عن زوجك، فورًا على المرأة أن تنفصل عن زوجها. ولو قال النبيّ: يجب أن تلقي بجميع أموالك في البحر، فورًا على الإنسان أن ينجز هذا العمل. ولو قال النبيّ: يجب أن تلقي بنفسك من الأعلى إلى الأرض وتموت، فورًا بلا تأخير وتأمّل.
كرم الإمام الحسين عليه السلام في عدم استعماله لولايته الشرعيّة المطلقة مع أصحابه
والآن انظروا ليس فقط لا يقول النبيّ هذا الكلام، بل يأتي الإمام الحسين في ليلة عاشوراء بدلاً من أن يقول: وأنا أقرب إليكم من حبل الوريد ـ والإمام الحسين هو أيضًا عين النبيّ في النهاية، فالمعصومون الأربعة عشر هم واحد، عندها أنتم تذهبون؟ ـ عندها يأتي الإمام الحسين عليه السلام سيّد الشهداء... انظروا كم لديه من العزّة؟! كم هو حرّ هذا الرجل؟! وكأنّه مملوء حريّة من رأسه إلى قدميه، قد ملأته الحريّة وصنع من الحريّة، فبدلاً من هذا الكلام أنّي ابن النبيّ، أنّي إمام، أنّي أقرب إليكم من حبل الوريد، أنّي... بدلاً من هذا الكلام يقول: لقد رفعت البيعة عنكم، من شاء فليتّخذ الليل جملاً، فليمض٢، حتّى ماذا يقول لأخيه أبي الفضل؟ لماذا أنت جالس؟
- - سورة الأحزاب (٣٣)، الآية ٣٦
- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكرى عليه السّلام، ص ٢۱۸؛ بحارالأنوار، ج ٤٤، ص ٢٩۸ حیث نقل عن الخرائج، ج ٢، ص ۸٤۸: قال علىّ بن الحسين عليه السّلام: كنت مع أبى اللّيلةَ التى قُتل صَبيحتها فقال لأصحابه:
هذا اللّيل فاتّخذوه جملًا؛ فإنّ القوم إنّما يريدوننى و لو قتلونى لم يلتفتوا إليكم و أنتم فى حلٍّ و سعةٍ؛ فقالوا: لا و الله لا يكون هذا أبدًا...
