
الولاية التشريعيّة فرع الملكيّة والولاية التكوينيّة
تتحدّث هذه المحاضرة حول فقرة أن لا يرى العبد لنفسه ملكًا، وتبيّن أنّ ثبوت حقّ التصرّف في الأمور هو فرع ملكيّتها الحقيقيّة، وتُرتِّبُ على ذلك انحصار حقّ الأمر والنهي المطلقين بالله لأنّه هو المالك الحقيقيّ لنا، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد وله الولاية التكوينيّة علينا، وحيث إنّ المعصومين وصلوا إلى مقام العبوديّة وأدركوا أنّهم مظهر لولاية الله التكوينيّة فإنّهم لهم وحدهم الولاية المطلقة في الأمر والنهي وولايتهم عين ولاية الله لا شيء آخر. وقد بيّنت المحاضرة أثناء بيان انحصار الملكيّة بالله قصّة من سرق بستانًا مبرّرًا سرقته بالرؤية التوحيديّة، ثمّ عالجت هذه الآفة السلوكيّة وبيّنت خطر النفس في كيفيّة توجيه الأدلّة والمبرّرات، وكيفيّة مواجهتها بالمراقبة. كما بيّنت أثناء ذلك قصّة لبايزيد البسطامي مع الكلب الذي وعظه بمواعظ ثلاث، مؤكّدة أنّ السير والسلوك ليس بعدد السنوات بل بالعبوديّة.
الولاية التشريعيّة فرع الملكيّة والولاية التكوينيّة
11لقد كنت واقفًا عند ارتحال المرحوم العلامة. لقد كانت الأجهزة تشير إلى أنّ عضلات القلب تتوقّف الواحدة تلو الأخرى من اليمين واليسار، وكانت علامات الموت تبرز تباعًا، وكان هؤلاء أيضًا واقفين هكذا ينظرون، بعضهم يحاول معالجة النفَس، وآخر معالجة أمر آخر وهكذا، مساكين. لقد كنت واقفًا أنظر أنا أيضًا، وكنت أرى أنّ الأمر مستمرّ على هذا المنوال، وأنّه لا بدّ أن يتوقّف القلب، ولا يمكن معالجته، لقد تعلّقت إرادته ومشيئته الآن بذلك. [كانوا يقولون:] نادوا فلاناً ليحضر، اصنعوا هذا الأمر، أحدث صدمة، اصنع كذا. قلت لهم: لا فائدة، لماذا تؤذون إلى هذا الحدّ؟! لماذا تؤذون المريض؟ لا فائدة. ثمّ عندما صار ساكنًا بالكامل وسيطر عليه الفلج، لم يبق شيء، فجاء أحدهم وقال: الآن اقرأ ما شئت يا سيّد، إن شئت فاقرأ سورة يس. وقال الذين كانوا هناك: (وَ نَحْنُ أَقْرَبُ) ومن كان هذا؟ كان إنسانًا نعدّه نحن وليًّا. كان إنسانًا نعدّه نحن صاحب ولاية وتصرّف، كان إنسانًا كنّا نعتقد أنّه قادر على القيام بأيّ أمر يريده، ولست أمازح في قولي هذا. والآن لن أتحدّث عن تلك المطالب، وإذا سنحت الفرصة لاحقًا سأتحدّث بين الحين والآخر عن حالاته وما صدر منه لاحقًا وليس الآن. ماذا حصل؟ الآن لا يمكنه أن يصنع شيئًا، لقد سقط مثل خشبة، ولا يمكنه أن يحرّك رموشه، لا يمكنه أن يحرّك ظفره، وكأنّه مات قبل مائة سنة، وإمامه أيضًا هو كذلك، ونبيّه كذلك، وكأنّ شيئًا لم يكن، مائة سنة. وأمير المؤمنين الذي صنع ما صنع بعمرو بن عبد ودّ، وفي معركة صفّين وليلة الهرير والذي لم يكن لدرعه قسم خلفي على الظهر وكان يقول أنا لا أعطي ظهري للعدوّ حتّى أحتاج إلى درع من جهته، فأنا ثابت في المقابل، كان يتحرّك إلى جهة واحدة ذاهبًا وراجعًا، وعندما قبضت روحه والتحقت بالملأ الأعلى صار كالخشبة، وكأنّه لم يتحرّك منذ مائة عام، انتهى الأمر، ولا شيء، وهذا مقام غيرة الله. بالنسبة إليّ الجميع سواء.
وما أقوله لكم فإنّي أقصده وألاحظه نقطة نقطة لنصل منه إلى النتيجة المرجوّة. يقول الله: لا فرق بالنسبة إليّ بين النملة والنبيّ، كلاهما أقبض روحيهما. انظروا إلى هذه النملة الساكنة هنا بلا حراك، وانظروا إلى رسول الله قد سقط. انتهى الأمر فلو أنّ أمير المؤمنين لم يحمله إلى القبر لبقي جسمه ألف سنة على الأرض كما هو. إنّ هذا البدن لم يعد بإمكانه أن يتوجّه إلى القبر، لا بدّ أن يأتي أحدهم ويرفعه ويضعه. هل التفتّم؟ لو أنّ الإمام السجّاد لم يأت ولم يدفن جسد سيّد الشهداء عليه السلام مع قبيلة بني أسد لبقي إلى الأبد... ألم يبق ثلاثة أيّام؟ لقد بقي جسد سيّد الشهداء هكذا على الأرض ثلاثة أيّام. يأتي الإمام السجّاد بقوّة الإمامة في ذلك الوقت الذي كانت فيه القافلة متّجهة نحو الكوفة، وحين كان الإمام في الأغلال والزناجير يأتي عليه السلام ويوجّه بني أسد كيف يصنعون. أحضروا هذا وهذا وهكذا جميع الشهداء الواحد تلو الآخر وادفنوهم، ادفنوا حضرة أبي الفضل هنا، وادفنوا بقيّة الشهداء هنا. ولو أنّهم لم يدفنوها لبقيت، لقد ماتوا.
