
الملكيّة الحقيقيّة لله والاعتباريّة للإنسان
تتحدّث هذه المحاضرة حول كون ملكيّة الله هي الحقيقية، وكون ملكيّة الإنسان اعتباريّة ترجع إلى ملكيّة الله تلك، مبيّنة مزايا كلّ من الملكيّتين، فالأولى مستقلة وأصيلة والثانية تابعة لها ومجعولة، وقد شرحت السبب في كون ملكيّة الله حقيقيّة بأنّ كافّة الموجودات مملوكة له لأنّها تعيّنات وتنزّلات لوجوده، وفي هذا السياق فسّرت المحاضرة آية (قل اللهم مالك الملك...) بأنّ الملكيّة الحقيقيّة مختصّة بالله وحتّى النبيّ والأئمة عليهم السلام ملكيّتهم اعتباريّة، ولذلك كانوا ينتصرون تارة ويهزمون أخرى في حروبهم من حیث الظاهر، مستشهدة في ذلك بمعارك بدر وأحد وصفّين وكربلاء، مقدّمة تحليلاً عميقًا لسبب خروج الإمام الحسين عليه السلام من مكّة، عارضة لبعض الفوارق بين سياسة الأئمّة عليهم السلام وسياسات غيرهم. كما أوضحت المحاضرة على أساس ما سبق أمرين أساسيّين: الأول: قاعدة مهمّة في السير والسلوك وهي أنّ الكون في طريقٍ حقٍّ لا يعني تحقّق كلّ ما يريده الإنسان في الدنيا. الثاني: كون التشريع عقلانيًّا عقلائيّاً واستناده إلى الحقّ والواقع لا إلى مجرّد التعبّد المحض والفرض والإجبار، ويترتّب على ذلك عدم جواز طاعة من لا يستند إلى الواقع وعدم جواز إفتائه. واستطردت خلال ذلك البحث الأساسيّ في بيان قضايا مهمّة ناسب الحديث عنها في الأثناء وهي: جريمة تحديد النسل، واختصاص ذكرى الأربعين بالحسين عليه السلام، وما يحدث للإنسان في عالم القبر وكون ذلك مرتبطًا بالنفس لا البدن، وكيفيّة اتّحاد النفس مع حقائق الأعمال.
الملكيّة الحقيقيّة لله والاعتباريّة للإنسان
5السبب في كون ملكيّة الله حقيقيّة: كون الوجود كلّه له متنزّلاً منه
وعلى كلّ حال، فإنّ المسألة أنّ وجودنا لم يكن باختيارنا بل أفيض من الله، فدخلنا هذه الدنيا لنطوي سيرًا ثمّ نصل إلى تلك المراتب الكماليّة التي هي مقصودة لنا. الطريق جاهز، الطرق كلّها مجهّزة، والاستعداد بالحدّ الكافي، وهنا يجب أن يقال:
گر گدا كاهل بود *** تقصير صاحبخانه نيست يقول: لئن كان المتكّدي ضعيفًا عن الطلب فلا تقصير لصاحب الدار.
وعلى هذا الأساس نحن نقول: إنّ الله مالكُ جميع الخلائق، وعلى هذا الأساس نحن نقول: إنّ الله مريدٌ مختار في فعله في ملكه ومخلوقاته والمتعيّنات النازلة عن وجوده؛ لأنّ كلّ ما وجد في هذا العالم هو تعيّنات متنزّلة من وجود الله، والدخل والتصرّف الذي يقوم به الله في الخلائق وفي مملوكاته وفي نظام العالم هو دخل وتصرّف في وجوده هو. لم يكن وجودنا [في] جهة مميَّزة ومستقلّة عن وجود الله لكي ينزّل الله منه هذا الوجود إلى هذا العالم. إنّ وجود الله هذا الذي هو وجود بالصرافة وبسيط ولا نهاية له ومطلق، عندما يأتي إلى مرتبة التعيّن ويتنزّل عن تلك الصرافة فإنّه يظهر ويبرز بصور مختلفة وأشكال مختلفة. فإذن كافّة الخلائق الأعمّ من الماديّة والنفسيّة والروحيّة والمجرّدات هي كلّها وجودات متنزّلة لتلك الذات البسيطة التي لا نهاية لها لحضرة الأحديّة.
أفهل أدركتم الآن لمَ كانت الآية الشريفة التي تقول: (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)۱؟
قل: یا الله أنت مالك ملك السلطنة، هذه السلطنات التي نراها نحن، سلطنة دارا والإسكندر وقوروش وداريوش، هذه السلطنات كلّها مجازيّة. فحتّى لو كنت الإسكندر وسيطرت على نصف الإقليم فسيأتي يوم تترك فيه كلّ هذا الملك والسلطنة ويأخذونك بكفن من مترين من القماش، فقط من مترين من القماش. هذه السلطنة، هذه السلطنة وملك هذه السلطنة ليس حقيقيًّا. لماذا لا تأخذها معك إلى القبر؟ إن أردت أن تأخذها فإنّ طاقتك ضعيفة، وليتك تعلم حينما تذهب إلى القبر...! نريد أن نذهب إلى القبر برفقة هذه، برفقة التصوّرات السابقة، بالشؤون نفسها، بما أنسنا به في هذا العالم.
- ۱- سوره آلعمران( ٣)، آيه ٢٦
