
وضع الحقائق والاعتباريات في مواضعها
تتحدّث هذه المحاضرة حول فقرة حقيقة العبوديّة، مستمرّة في بيان مقدّمة ذلك من بيان معنى الحقاق والاعتباريّات الذي بدأت به في الجلسة السابقة، وذلك من خلال تفسير آية (أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنيّ الحميد) واستعراض عدد من الأمثلة لتوضيح الفكرة، وكان المثال الأوّل حول المال، والثاني حول السلطة، والثالث حول الحياة والرابع حول الجمال، والخامس حول الاحترام (من خلال تطبيق هذا الأخير على المحاضر نفسه). وقد أكّدت المحاضرة على ضرورة إعطاء كلّ من الحقائق والاعتباريّات حقّها وعدم المزج بينها ووضع كلّ منها في موضعه. وأنّ الحقيقة الوحيدة التي تستحقّ الحمد والتمجيد والاحترام هي الله تعالى. وتضمّنت المحاضرة استطرادًا حول موقف القرآن وأهل البيت عليهم السلام من الشعر وتحديد المراد من الشعر المذموم، عارضة لنماذج من شعر الأئمّة عليهم السلام (الهادي والسجّاد عليهما السلام) كما استشهدت بالعديد من القصص والوقائع منها: قصّة الشاعر القاآني ومدحه لأحد الوزراء قصّة موت والد ثمانية من الأطبّاء من دون استفادته منهم قصّة مسخ بعض النواصب المتلهّين في يوم عاشوراء قصّة عجب أحد السلاّك بنفسه وظنه أنّه تجاوز الحور العين في حين أنّه سقط في فتنة النظر إلى يد ممرّضة وإشارة العلامة إلى ذلك في جلسته العامّة من دون تصريح وغيرها.
وضع الحقائق والاعتباريات في مواضعها
6فالمراد من الشعراء أولئك الذين يبحثون دائمًا عن التخيّل، هؤلاء الذين ترونهم، فاليوم يمدح فلانًا ويثني عليه، وغدًا يمدح آخر. اليوم يقول قصيدة في هذا ، وغدًا يقول قصيدة لآخر. هكذا هم في النهاية (وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ).
فهذا ما يسمّى بالاعتبار، إنّ كلّ ذلك الضجيج والأبّهة تزول فجأة، كلّها تزول، وتزول معها تلك المحامد والثناءات، ويتغيّر الموضوع ويتبدّل فتذهب المدائح معها.
اختصاص المِلك والمُلك الحقيقيّين بالله
وبناء على ذلك فلنر أيّ ملك وأيّ سلطان هو الذي لا يزول أبدًا، وأيّ مِلك وتملّك لا يتغيّر أبدًا وله أصالة؟ إنّه ملك الله فقط. وحده ملك الله وسلطانه. هذا يختصّ به وحده. كم هو واضح هذا الأمر وكم نحن غافلون عنه! فقد ضربت لكم مثالين أحدهما عن المِلك والآخر عن المُلك، أحدهما عن التملّك والآخر عن السلطة. فكلّ أمر اعتباريّ خاضع للزوال والتغيّر والتبدّل، إلا أن يكون ذلك الأمر حقيقيًّا واقعيًّا فلن يتغيّر.
ولذلك فإنّ المرحوم صدر المتألّهين رضوان الله عليه يقول في تفسير هذه الآية (يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) أنّ الفقير في هذه الآية هو بمعنى الفقر لا بمعنى الفقير الاصطلاحيّ؛ لأنّه في الفقير الاصطلاحيّ نفس الإنسان حيّة، نعم في حال يذهب مالها وفي آخر يرجع. أمّا في مسألتنا وما يرتبط بنا فإنّ وجودنا أيضًا هو عارية لنا. أفهل يمكننا أن نحفظ وجودنا؟ ليس لنا اطلاع على ساعتنا اللاحقة، ولا نرى أبعد من متر أمام أرجلنا، فمن أين لنا أن نضمن لأنفسنا الحياة؟ فإن كان الأمر كذلك فالذين يملكون المال والمِلك بطريق أولى لا يستطيعون.
الحياة ليست ملكنا (قصّة في كيفيّة وفاة والد لأطبّا ثمانية)
ينقل أحد الأصدقاء فيقول: نحن سبعة إخوة، سبعة إخوة وأخت واحدة، ولحسن الحظ جميع الإخوة أطبّاء وأختنا أيضًا طبيبة، فمجموع الأسرة من الأطباء، وبعضهم أطبّاء مهرة جدًّا ومن الجرّاحين المهرة في بعض المحافظات.
كان نفسه يقول لي: كلّ من كان يرانا يقول: إنّ الأبوين اللذين يمتلكان سبعة من الأطبّاء وابنة طبيبة لا يأتيهما الموت. وكانوا يقولون ذلك جادّين، فقد تأمّنت الحياة لهؤلاء، والحياة لهم ضروريّة، فسبعة من أبنائهما أطبّاء، فعلى الأقلّ في كلّ يوم يتواجد منهم اثنان في البيت، فهل هناك أفضل من هذا؟ كان يقول: يا سيّد إنّ أبي هذا رحمة الله عليه والذي كان رجلاً شريفًا ومتديّنًا وملتزمًا يخرج في الصباح من المنزل متوجّهًا نحو المسجد ليفتح بابه ويصعد إلى المئذنة ويرفع الأذان، فهذه عادته في أصفهان، وما إن يعبر من الشارع حتّى تأتي سيّارة تصدمه فيطير من هذا الجانب إلى ذاك وتفارق روحه الحياة ولا أحد من أبنائه عنده. هل التفتّم؟ فما هذه المسألة؟ له سبعة أبناء فليكونوا سبعين. أفهل الموت بأيدينا نحن؟ الأمر من مكان آخر، والكلام عن مكان آخر. والحساب والتقدير من مكان آخر، فبماذا غررنا وخدعنا؟ إنّ كافّة تعلّقاتنا اعتباريّة. فلا الجمال له حقيقة. قال: لا تفرح بمالك فإنّه مربوط بليلة، ولا تغترّ بجمالك فإنّه مربوط بدرجة حرارتك.
