
الحقائق والاعتباريّات
تتحدّث هذه المحاضرة عن موضوعين: 1. العنصر الأول من عناصر حقيقة العبوديّة وهو رؤية الملك لله. 2. أهميّة شهر رجب وأعماله. وفي الموضوع الأول: بيّنت المحاضرة علامة من علامات العبوديّة الحقيقيّة وهي عدم الاعتماد على الأبّهة وذكرت لذلك شاهدين من سيرة أمير المؤمنين عليه السلام وسلمان رضوان الله عليه، وأكّدت على ضرورة التحقّق من وجود العبوديّة في من يُتّبع وعدم الاكتفاء بحسن الظنّ. وكمقدّمة لفهم معنى الملكيّة قامت بدراسة مفهومي الحقائق والاعتباريّات ورجوع الاعتباريّات إلى الحقائق، وذلك من خلال أمثلة كالرئاسة والزوجيّة والبنوّة، مبيّنة أثناء ذلك بعض ما يرتبط بكلّ منها في واقعنا المعاش كأسس الانتخاب وآليّات الدعاية للمرشّحين، وحقيقة العلاقة الزوجيّة وكيفيّة العلاقة مع الأبناء. وفي الموضوع الثاني: قارنت المحاضرة بين شهر رجب وسائر أيّام الله من حيث نوع التجليّات وبيّنت اهتمام الأولياء به ووصاياهم بتشديد المراقبة وتقليل التواصل إلى الحدّ الأدنى وعيادة المرضى وخدمتهم وصلة الرحم، عارضة لحديثين عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في فضل هذا الشهر وأعماله التي أهمّها أعمال ليلة الرغائب.
الحقائق والاعتباريّات
10تطهير القلب في شهر رجب وكأنّه قلب طفل حديث الولادة
فالشرط الأوّل الذي كان المرحوم العلامة يذكره هو أن يطهّر الإنسان قلبه من كلّ ما كان معه إلى تلك اللحظة، وبدون ذلك لا فائدة، لا فائدة أبدًا. ومهما ذكر الله فلن تكون له فائدة، ومهما توجّه فلا فائدة، لماذا؟ لأنّ هذا التوجّه والذكر صوريّ، وليس عميقًا، فالعمق فاسد، العمق فيه تشويش، فيه هوى وهوس، العمق فيه كثرات، فيه توغّل في الكثرات، فلا فائدة منه، فقط يظهر في صورة وينتهي عندها. فإذن أوّل عمل على السالك أن يقوم به هو أن يتصوّر أنّه ولد في شهر رجب، فالطفل الذي يولد من بطن أمّه حديثًا هل له عدوّ؟ لم يصنع بعد شيئًا في هذه الدنيا. أفهل الطفل الذي يولد من بطن أمّه يمكن أن يُتكلّم عنه بشيء؟ هل اغتابه أحد؟ كلا إنّه ولد حديثًا ولا صديق له ولا عدوّ، لم يضرب أحدًا ولا أساء الأدب مع أحد، ولم يسئ الأدب معه أحد، فليست له أيّة علاقة في النهاية.
على الإنسان أن يتصوّر نفسه وقد ولد في شهر رجب وأنّه كالطفل الذي لا شيء في قلبه ونفسه. فالطفل لا يدرك شيئًا حتّى لا يعرف أمّه. بالطبع له شعور خاصّ نحوها ولكن لا يعرفها. فهو لا يمتك الحقد ولا الكره، ولا الحسد ولا الحساب، لا شيء أصلاً، فلذلك كان المرحوم العلامة يعبّر بأنّ الطفل فانٍ إلى بضعة أشهر، أي ليس لديه أيّ نوع من التعلّق. إن أردتم أن تنظروا إلى الفناء وماذا في الفناء فانظروا إلى الطفل الرضيع، هل لديه حقد؟ أبدًا، على من يحقد؟ هل لديه حسد؟ أبدًا. هل لديه كره لأحد؟! أبدًا. كلّما جاع يبكي، هذا هو حاله. وهل الإنسان الفاني سوى ذلك؟ لا في وجوده حقد ولا حسد ولا تعلّق بالدنيا ولا تعلّق بالمادة ولا تعلّق بالكثرات، لا خذ هذا ولا خذ ذاك، ولا مصلحة. افترضوا أنّه قيل لطفل: لقد حدث زلزال في مكان ما، فإنّه لا يدرك أصلاً: يقول أنا جائع أعطوني الحليب لآكل. ما هذا؟! يقولون: لقد صار فلان نائبًا، لقد صار فلان كذا. يقول: اسقوني حليبي، ودعوا هذه الأمور لأنفسكم، فهي مباركة عليكم. فقط حاجته محفوظة في الارتباط مع المبدأ وكلّ ما سواه لا شيء. الإنسان الفاني تعلّقه هو بالمبدأ، وليس في نفسه شيء آخر. غاية الفرق بين الطفل وبين الإنسان الفاني هو أنّ الطفل إذا رجع [من فنائه إلى عالم البقاء] فإنّه يرجع إلى الكثرات، فإنّها تأتيه الواحدة تلو الأخرى وتحصل التعلّقات الواحدة تلو الأخرى، أمّا الفاني عندما يصل إلى البقاء فإنّه يكون قد تخلّص من جميع التعلّقات، هذا هو الفارق بين هذين، وعلينا نحن جميعًا أن نرجع إلى هناك، إلى الموضع الذي أتينا منه.
