
السلوك والخضوع للإرادة الإلهيّة
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لتتمّة شرح حديث عنوان البصريّ الشريف، تحدّث سماحته عن خطر النظرة الاستقلاليّة والتعلّقية بالأشياء، وكذلك عن انتهاء جميع الأمور في السلوك إلى الله تعالى، بحيث يكون الوليّ خاضعًا في إرادته إلى إرادة الله تعالى، ولا يتنازل أبدًا عن التوحيد، ولا يسعى أبدًا إلى التدخل في القضاء الإلهيّ؛ ليُعرّج سماحته في الأخير إلى بيان كيفيّة العلاقة مع الأستاذ، والتي ينبغي أن تكون محكومة بالنظرة الوسائطيّة لا الاستقلاليّة؛ هذا، مع إشارته في ضمن هذه الأبحاث إلى مسائل وقضايا أخرى ذات صلة بهذا الموضوع.
السلوك والخضوع للإرادة الإلهيّة
الوصف:
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لتتمّة شرح حديث عنوان البصريّ الشريف، تحدّث سماحته عن خطر النظرة الاستقلاليّة والتعلّقية بالأشياء، وكذلك عن انتهاء جميع الأمور في السلوك إلى الله تعالى، بحيث يكون الوليّ خاضعًا في إرادته إلى إرادة الله تعالى، ولا يتنازل أبدًا عن التوحيد، ولا يسعى أبدًا إلى التدخل في القضاء الإلهيّ؛ ليُعرّج سماحته في الأخير إلى بيان كيفيّة العلاقة مع الأستاذ، والتي ينبغي أن تكون محكومة بالنظرة الوسائطيّة لا الاستقلاليّة؛ هذا، مع إشارته في ضمن هذه الأبحاث إلى مسائل وقضايا أخرى ذات صلة بهذا الموضوع.
السلوك والخضوع للإرادة الإلهيّة
8فهل تعلم عند من أتيت؟ وحينئذ، هل عليك أن تُفكّر في صابونك؟ افرض أنّ أحدًا سرق هذا الصابون، فماذا كنت ستفعل حينئذ؟ فهل تعلم من هو الشخص الذي أتيت عنده الآن؟ ومن هو الذي تريد أن تلتقي به؟ إنّك جئت للقاء شخص يقع عالما الملك والملكوت بأسرهما تحت تصرّفه؛ فهل ينبغي عليك والحال هذه أن تهتمّ لحفنتين من الصابون وضعتهما على سطح البيت؟! فهو بيده جميع الملك والملكوت؛ فهذه هي حقيقة الأمر.
انتهاء جميع الأمور في طريق السلوك إلى الله تعالى
هذا في ما يخصّ هذه الفقرة، وأمّا بالنسبة للفقرات الأخرى، فإنّ الإمام عليه السلام يقول فيها: «ولا يدَبِّرُ العبدُ لنفسهِ تَدبيرًا، وجُملةُ اشتِغالهِ فيما أمَرَهُ تَعالى بِهِ ونَهاهُ عَنه»؛ فما هو هذا الطريق؟ هذا هو طريق السلوك، وهذا هو الذي يُعدّ طريقًا للسلوك؛ ومن هنا، يجب أن تنتهي جميع الأمور في هذا الطريق إلى الله تعالى، لا إلى أحد آخر، ولا إلى ذات أخرى؛ فهذا هو المسار الذي يتعيّن على الإنسان أن يُصحّح أفكاره بحسبه، وأن يوجّه هذه الأفكار نحوه؛ ومن هنا، كلّما أرجع الإنسان في نفسه وفكره الأمورَ إلى الله تعالى، ورضي أكثر بما قدّره له، صار طريقه أقرب، ومسيره أوسع وأقوم؛ لكن بشرط أن يكون ذلك حقيقيًّا، وليس في الظاهر فقط؛ وذلك بأن يقول في الظاهر: «إنّ جميع الأمور بيد الله تعالى»، لكن .... وحتّى إذا لم يفعل ذلك، فما الذي سيفعل الله معه؟ فهو تعالى لا يتنازل عن مالكيّته وقيّوميته وإرادته وإطلاقه؛ ولهذا، فإنّه سيقول له: هل تدّعي أنّ الأمور ليست بيدي؟ فافعل إذن كلّ ما يحلو لك! وادّع أنّ الأمور بيدك أنت، حسنًا، إذا ادّعيت أنّ الأمور بيدك، هل تستطيع الوصول إلى ذلك؟ كلاّ بطبيعة الحال، فنحن لم نُفوّض إليك شؤون هذا العالم، بل جعلناها بيد جبرائيلنا وميكائيلنا وعزرائيلنا وإسرافيلنا؛ ونحن لم نوكل أمور الدنيا إلى صاحب السعادة، لكي يكون مدار الفُلك والفَلك والمَلَك بيد صاحب الجلالة، فيقول: «يجب أن تصير الأمور بهذا النحو، ولا تصير بذلك النحو»؛ كلاّ، لا تطمع في ذلك؛ فأنت عبد كبقيّة عبادي؛ وإذا سعيت إلى تعدّي حدودك، فإنّني سأجعلك تدور حول نفسك، وتدور، وتضرب على رأسك، وتصعد إلى فوق، وتنزل إلى تحت، ثمّ لا يصير في الأخير إلاّ ما أريده أنا، لا ما تريده أنت؛ وحينئذ، من الذي سيخسر في هذه العمليّة؟ أنا أم أنت؟ «يا داوود أريد وتريد»؛ فأنت لديك بمقتضى نقصك وتعلّقك بهذا العالم إرادة مغايرة لإرادتي، حيث لدينا هنا إرادتان؛ «أريد وتريد، فإن ترض بما أريد، أعطيتك ما تُريد» ۱؛ فإذا قبلت حقيقة؛ أي وضعت اختيارك جانبًا، وارتضيت إرادتي؛ ونحّيت إرادتك، واستبدلتها بإرادتي؛ «وإلاّ ترضى بما أريد، أتعبتك فيما تُريد، ثمّ لا يكون إلاّ ما أريد»؛ فإذا لم ترض بما أرتضيه أنا وأريده، فإنّني سأنهكك، وأجعلك تدور حول نفسك، وتصعد إلى فوق، وتنزل إلى تحت كثيرًا، وفي نهاية المطاف «لا يكون إلاّ ما أريد». فالله تعالى قال هذا الكلام، وهو لا يتنازل عنه؛ فإذا كنّا نحن نتراجع عن كلّ ما نقوله، فإنّ الله تعالى لا يتراجع أبدًا عن أيّ شيء قاله؛ كما لا يستطيع أيّ واحد منّا أن يكون ندًّا له؛ لا أنا، ولا أنت، ولا من هو أعلى منّا، حيث رأينا ذلك بأمّ أعيننا على امتداد هذه السنوات، وطيلة فترات حياتنا؛ فقد جاء البعض، وسعوا إلى العمل بما يُخالف رضا الله تعالى وطريقه؛ لكن، ما الذي حصل؟ لم ينجحوا، فقد رحلوا بعدما جاء ملك الموت، وقال لهم: «تفضّلوا!». لقد كنتَ مخطئًا حينما تصوّرت أنّك مالك رقاب أهل الأرض والسماء، وتوهّمت أنّك مالك لرقاب الجميع، وأنّه على الكلّ الخضوع لإرادتك ومشيئتك؛ فتفضّل بالرحيل، لكي تُقدّم حسابك هناك؛ فهنيئًا لمن يستوعب هذا الأمر منذ البداية؛ فلا يوقع نفسه في المشاكل، ولا يُسبّب المتاعب للآخرين، بل يُدرك منذ البداية أنّ الإرادة والمشيئة مختصّتان بالله تعالى؛ فإذا تمكّن أحد من القيام بهذا العمل، فإنّه سيعيش حينئذ في راحة، وتكون حياته هادئة. فمع أنّه يكون ملزمًا بأداء التكاليف، إلاّ أنّه لا يكون في حالة تعلّق؛ إذ هي مجرّد مهمّة علينا القيام بها؛ فنذهب [مثلاً] إلى العمل في الصباح، ثمّ نرجع إلى البيت في الساعة الثانية؛ وإذا توجّب علينا القيام بعمل ما، نقوم به؛ فإذا تحقّق بالشكل الأفضل، فهذا جيّد؛ وإذا لم يتحقّق بههذا الشكل، فلا دخل لنا في ذلك؛ لأنّ [الله تعالى] هو الذي أراد ذلك؛ غاية الأمر، علينا ألاّ نُقصّر في أدائه؛ ففي بعض الأحيان، يأتي الإنسان، ويضع نفسه في مكان الله تعالى؛ أي أنّه يسعى لاستخدامه في مصلحته الشخصيّة؛ فتكون نفسُه تُريد شيئًا آخر، لكنّه ينسب ذلك إلى الله تعالى، ويقول: «الله تعالى أراد ذلك»؛ لا يا عزيزي! إنّه لا يُريد ذلك.
- قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: «أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَاوُدَ يَا دَاوُدُ تُرِيدُ وأُرِيدُ ولَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ فَإِنْ أَسْلَمْتَ لِمَا أُرِيدُ أَعْطَيْتُكَ مَا تُرِيدُ وإِنْ لَمْ تُسْلِمْ لِمَا أُرِيدُ أَتْعَبْتُكَ فِيمَا تُرِيدُ ثُمَّ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا أُرِيدُ». (بحار الأنوار، ج ٥، ص ۱۰٤). المعرّب
