
السلوك والخضوع للإرادة الإلهيّة
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لتتمّة شرح حديث عنوان البصريّ الشريف، تحدّث سماحته عن خطر النظرة الاستقلاليّة والتعلّقية بالأشياء، وكذلك عن انتهاء جميع الأمور في السلوك إلى الله تعالى، بحيث يكون الوليّ خاضعًا في إرادته إلى إرادة الله تعالى، ولا يتنازل أبدًا عن التوحيد، ولا يسعى أبدًا إلى التدخل في القضاء الإلهيّ؛ ليُعرّج سماحته في الأخير إلى بيان كيفيّة العلاقة مع الأستاذ، والتي ينبغي أن تكون محكومة بالنظرة الوسائطيّة لا الاستقلاليّة؛ هذا، مع إشارته في ضمن هذه الأبحاث إلى مسائل وقضايا أخرى ذات صلة بهذا الموضوع.
السلوك والخضوع للإرادة الإلهيّة
الوصف:
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه لتتمّة شرح حديث عنوان البصريّ الشريف، تحدّث سماحته عن خطر النظرة الاستقلاليّة والتعلّقية بالأشياء، وكذلك عن انتهاء جميع الأمور في السلوك إلى الله تعالى، بحيث يكون الوليّ خاضعًا في إرادته إلى إرادة الله تعالى، ولا يتنازل أبدًا عن التوحيد، ولا يسعى أبدًا إلى التدخل في القضاء الإلهيّ؛ ليُعرّج سماحته في الأخير إلى بيان كيفيّة العلاقة مع الأستاذ، والتي ينبغي أن تكون محكومة بالنظرة الوسائطيّة لا الاستقلاليّة؛ هذا، مع إشارته في ضمن هذه الأبحاث إلى مسائل وقضايا أخرى ذات صلة بهذا الموضوع.
السلوك والخضوع للإرادة الإلهيّة
10في بدايات الثورة، كنت مارًّا من مفترق طرق، فقال لي شرطيّ المرور: «أستحلفك بالله يا سيّدي أن تأتي، وتساعدني»، فقلت له: «ما الذي حصل؟»، فقال لي: «يا سيّدي، يأتي أحدهم، ويتجاوز إشارة المرور، فأقول له: إنّ الإشارة حمراء، فيُجيبني: لقد قمنا بالثورة، لقد قمنا بالثورة ـ وهل هذا مسوّغ لتجاوز الخطّ الأحمر؟! ـ ويأتي آخر، فيكون أحدهم يعبر الطريق، فأقول له: إنّ هذا ممرّ للراجين، فعليك التوقّف، فيقول لي: لقد قمنا بالثورة، فعلينا أن نكون أحرارًا!»، ثمّ قال لي بلهجته الخاصّة: «إذا كانت هذه هي الثورة، فأنا لا أريدها من الآن إلى مائة سنة!». لقد صنعنا ثورة لكي نتمسّك بالقيم، ونُلغي القانون [الباطل]، ونصير بأنفسنا مقنّنين إلهيّين، ولم نصنعها لأجل أن نضع القانون للناس فقط، ونُخرج أنفسنا عن هذه الدائرة؛ فهذا لا يختلف أبدًا عن ذاك. إنّ السالك هو الذي يُرجع الأحداث والوقائع التي تحصل له إلى أصلها ومبدئها، فيُريح نفسه أيضًا؛ فعلينا أن نكون في راحة؛ إذ كان في بالنا القيام بالكثير من الأشياء ـ وأنا أتحدّث عن نفسي هنا ـ لكنّها لم تتحقّق؛ وكنّا نتصوّر العديد من الأمور، غير أنّها لم تحصل؛ وكانت تأتي على بالنا العديد من المسائل بعد وفاة المرحوم العلاّمة، إلاّ أنّ أيّ واحد منها لم يتحقّق؛ وأنا الآن أرى بأنّه هل يوجد لديّ أيّ دخل في أن تتحقّق أو لا تتحقّق؟ فسواء تحقّقت تلك الأهداف والأفكار التي تبدو لي، أو لم تتحقّق؛ فمن أكون أنا؟ فأنا مجرّد قشّة تطفو على سطح هذا المحيط، أو أقلّ من قشّة تتحرّك عليه؛ فهل تقدر هذه القشّة على الإحاطة بتلاطم هذه الأمواج والسيطرة على تيّارات المحيط؟ فغاية ما يُمكنها أن تتباهى به هو حرصها على الحركة بمعيّة هذه الأمواج، وعدم الابتعاد عنها يمينًا أو يسارًا، إلى أن توصلها بالتدريج [إلى شاطئ الأمان]؛ وهذه مسألة مهمّة جدًّا بالنسبة إلينا، حيث كنت ألاحظ في زمان المرحوم العلاّمة أنّ فكر الناس فكر غير سلوكيّ؛ فكانوا يعتقدون بأنّه: ما دام هذا الشخص وليًّا، وما دام أنّه وصل إلى هذا المقام، وجب عليهم أن يتوقّعوا منه القيام بأشياء خارجة عن نطاق التوقّعات المنطقيّة، وعن دائرة المقدّرات الإلهيّة.. لا! فلا يفرق هنا الأمر بينه ـ هو الذي بلغ مقام الولاية ـ وبين إنسان عاديّ جدًّا وعبد؛ فهو قد وصل أخيرًا إلى درجة أصبح فيها مثل هذا الكفّ۱ ؛ وحينئذ، تأتي أنت، وتتوقّع منه أن يُحقّق لك نيّاتك وأفكارك وتوقّعاتك؟ فهو يقول: لقد تحمّلت المصاعب لمدّة خمسين سنة لكي أتخلّص من إرادتي وتوقّعاتي، وتأتي أنت بعد ذلك، وتريد أن توقعني في هذه الورطة! ولهذا، فإنّهم يتحرّزون عن القيام بهذه الأفعال، حيث يتمثّل المعيار في كمال العارف عن غير العارف في أنّ غير العارف ومع أنّ له إرادة وقدرة، إلاّ أنّه يأتي ويتدخّل ويتصرّف في الأمور؛ فيشفي هذا المريض، ويُحيي ذلك الميّت، ويحلّ تلك المشكلة، ويفعل كذا وكذا؛ بينما لا يقوم العارف بأيّ فعل من هذه الأفعال، بل يُجري النظام على أساس الظاهر، ووفقًا لمجرياته العاديّة؛ فهذه هي مدرسة العلاّمة، وهناك مدارس مختلفة عنها أيضًا؛ ففي نفس هذا العصر، توجد مدارس أخرى تلجأ للقيام بتلك الأمور [الخارقة للعادة والظاهر]، وهي أمور صحيحة؛ أي أنّها واقعيّة، لكنّ هذه المدارس ليست عرفانيّة، بل هي عبارة عن حركة في النفس، حيث إنّ ظهورات النفس متفاوتة، وتجلّياتها مختلفة.
- كناية عن تخلّيه عن إرادته ورغباته، وذلك باعتبار أنّ الكفّ يُمكن تشكيلها بالشكل الذي نريده نحن. المترجم
