
السير الترتيبي لمراتب العلم الإلهي
هل للكمال مراتب مختلفة؟ أين يقع ظاهر الشريعة من مراتب الكمال؟ وما هي مراتب انكشاف العلم؟ ما معنى لي مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب؟ وهل هذه الحالة تشمل أمّة النبي أم هي مختصة به؟ ما معنى العلم الإطلاقي الذي لدى النبي صلى الله عليه وآله؟ مواضيع تناولها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة، فضلاً عن مواضيع أخرى أيضاً، كما تناول الكلام عن أهمية شهر رجب وضرورة زيادة المراقبة فيه والصمت والصوم والدعاء وغيرها من الأمور الأخرى.
السير الترتيبي لمراتب العلم الإلهي
11اهتمام الأولياء بالأشهر الثلاثة رجب وشعبان وشهر رمضان
نحن على مشارف دخول شهر رجب الحرام، فشهر رجب ـ كما ذكرت لكم سابقاً والجميع يعلمون ذلك ـ كان العظماء يهتمّون به كثيراً؛ حيث إنّ الجلوات والجذبات الإلهية في شهر رجب أكثر منها في سائر الشهور، بما فيها شعبان وشهر رمضان. وقد كان دأب المرحوم العلامة في بداية شهر رجب أن يجمع رفقاءه ويحدّثهم عن خصوصيات هذا الشهر وأهمية المراقبة فيه والأعمال التي ينبغي القيام بها في هذا الشهر، وكان يقرأ عليهم دعاء الإمام الصادق عليه السلام ويترجمه لهم، وذلك لكي يعرف رفقاءه أهمية هذه المسائل والأمور.
إذ من جملة الأدعية المأثور قراءتها في كل يوم من رجب هو دعاء الإمام الصادق عليه السلام الوارد أنّه كان يقرأه في كل يوم، وهو مذكور في مفاتيح الجنان۱: "خاب الوافدون على غيرك وخسر المتعرّضون إلا لك.."، خاب يعني خسر، والخائب هو الذي ليس له أمل في الوصول إلى مراده ومطلوبه، ويطلق أيضاً على الذي تخلّف عن القافلة، أو على من يخسر أمراً معيّناً ولا يمكنه أن يتدارك ما خسره.. خاب الوافدون على غيرك.. كل من أتى وتوجّه إلى غيرك فهو خاسر ويده خالية، وليس له أي وسيلة ليتدارك بها ما خسره؛ لأنّ كل ما سواك لا شيء وعدم، وعبارة عن فقاعات لا أكثر. فالذين سعوا إلى سواك وحطّوا رحالهم عند غيرك، والذين سعوا لتحصيل المقام والجاه وتحصيل المال.. هم خائبون. بل حتى الذين سعوا إلى أمور غير مادية؛ وقصدوها دون الله ودون التوجّه إلى التوحيد أولئك يصدق عليهم هذه الفقرة "خاب الوافدون على غيرك"، فالذين يرون أنّ الولاية غير التوحيد، والولاية مرتبة أدنى من التوحيد وينظرون إلى الإمام بنحو مستقل لا كوسيلة إلى الله.. هؤلاء أيضاً حسابهم مختلف عن أولئك الذين يتوجّهون إلى ذات الله تعالى ويرون الإمام وسيلة للوصول إليه.
"وخسر المتعرّضون إلا لك"، فكل من جعل اعتباراً لغيرك في علاقاته وتصرّفه هو خاسر.. يشهد الله تعالى أنّ كل خطور يصدر من الإنسان ـ نعم حتى الخطور الذهني ـ يكون خطوراً غير إلهي أو خطوراً مادياً ودنيوياً يكتب على الإنسان. فإذا خطر على بالك بأنّه لا بأس بالتصادق مع هذا الرجل فقد ينفعنا يوماً ما، ولا بأس بأن نسلّم عليه ونفتح علاقات معه، فهذه كلّها مصداق لـ: "خسر المتعرّضون إلا لك"، وسيأتي يوم ويدير لك هذا الصديق ظهره ولا يعود يلتفت إليك، عند ذلك يلتفت الإنسان ويتعجّب! كيف أني بقيت سنتين أسعى وراء هذا الرجل، وبعد ذلك يتركني ويذهب بسبب أمر واهي!؟ هذا الانزعاج لا يحصل للإنسان بسبب أنّ هذا الرجل تركه وذهب، بل ينزعج لأجل أنّه خلال هاتين السنتين كان قد بنى آمالاً على هذا الرجل، وصرف عليه وقتاً، وكان لمدة سنتين يخطّط له أموراً، وفجأة يتركه ويذهب! انزعاجه إنّما هو بسبب ذلك، هذا معنى الخاسر.
- مصباح المتهجد، الشيخ الطوسي، ص ٣٦٩، مفاتيح الجنان، أعمال شهر رجب.
