
معيار قيمة العمل (1)
محاضرة العلّامة الطهرانيّ في الأربعين
أهم محتويات المحاضرة: - معيار قيمة الإنسان على أساس التقوى؛ - معيار قيمة عمل الإنسان على أساس نيته؛ - نقد الشبهة حول قيمة الاختراعات المهمّة من أجل خدمة البشريّة وأعمال الخير الصادرة عن غير المسلمين؛ - دراسة مضّار بعض الاختراعات والاكتشافات العظيمة ضدّ البشريّة بسبب سوء استخدامها؛ - تحليل نيّة المخترعين والمكتشفين من غير المسلمين وأهدافهم؛ - أجر العلماء مطابق مع مرادهم وهدفهم من الاختراعات والاكتشافات؛ - أجر الأعمال وثوابها يكون على أساس نية الأفراد وهدفهم؛ - الحياة الجاهليّة تحصل بواسطة الحركة في طريق الأهواء النفسيّة، أمّا الحياة الطيبة الحركة نحو الحقّ (ت)؛ - علّة الخلود في جهنم أو الجنّة؛ - معيار كون نيّة العلماء والباحثين نيّةً إلهيّةً؛ و...
معيار قيمة العمل (۱)
8قد يُبنى مسجدٌ كبيرٌ جدًّا، ونرى في زماننا أنّ المسجد يحتوي على العديد من الأشكال والصور والبلاط والتذهيب ـ حيث نُشاهد في هذا الزمان أنّهم يُزيّنون المساجد بالذهب، رغم حرمة هذا العمل.۱ وذات يوم، ذكرتُ للسيّد «أخوي»، أنّه يوجد أساسًا إشكالٌ في الصلاة في المساجد التي فيها تذهيبٌ٢ ـ، وقد يكون عدد الناس الذين يرتادون هذا المسجد كبيرًا جدًّا، ويكون الأمر ملفتًا للأنظار من الناحية الظاهريّة، وظاهر العمل كبيرًا وبارزًا؛ إلّا أنَّ الحساب يكون من ناحية المعنى [لا الظاهر]! فهناك كرام كاتبون، وملائكة موكّلون يقولون: ما هو الهدف من هذا العمل؟ ولأيّة غايةٍ تمّ ذاك؟ وبأيّة نيّة تحقّق هذا العمل؟ وبأي نيّة كان ذاك؟
فعندما يجلبون الإنسان من هنا، سيقول: «سيّدي، لقد وضعتُ مليون حجارة فوق بعضها إلى أن تمّ بناء هذا المسجد!».
فيقولون له: «موافقون؛ ولكن لماذا بنيته؟ كي يكتبوا فوق بابه: لقد بُني هذا المسجد بسعيٍ وعناية من سماحة الحاجّ فلان؟! فقد قيل ذلك؛ حسنًا، لقد قالوا ذلك! فماذا تريد منّا هنا؟! فهنا مكان الطيران؛ فهل طرت حتّى الآن كي تصل إلى هنا، أم لا؟!».
لقد جرى تحذيرك في الدنيا، وقيل لك: «عليك بالطيران إلى هنا، وعدم التخبّط في تلك المظاهر، فتُصيبَك بالقذارة وتُتعبَك! فطائرتك ثقيلة وتحتاج إلى الوقود، فاملأها بهذا الوقود، ودعها تُحلّق!». لكنّك لم تسعَ خلف الوقود، وكنت تملأها بالقاذورات دائمًا؛ فتوقّفت هذه الطائرة عن العمل، ولم تتمكّن من الارتفاع! فدفنوك في نفس الأفكار والأوهام والخيالات التي كنتَ فيها، وهناك سيكون قبرك! فلم يكن مقام الطاهرين والصالحين هو مكانك ومقصدك! فأنت لم تشأ القدوم إلى هنا، بل ولا يُمكنك ذلك، وليس لديك الهمّة كي تأتي! فلماذا تطلب من الله تعالى وتقول: «يا الله، لماذا لا تأخذني إلى الجنّة؟!»، فأنت الذي لم تشأ القدوم إليها! ولو كان باب الجنّة مفتوحًا أيضًا، لما استطاع أحدٌ [من هؤلاء] الدخول إليها! أليست أبواب الجنان مفتوحةٌ الآن؟! أليست كلّ هذه الدعوات هي للدخول إلى الجنّة؟! فلماذا لا يتحرّكون، ويذهبون إلى الجنّة؟!
وبناءً عليه، فإنّ العمل يدور مدار النية. ويُمكن للإنسان هنا أن يُوسّع البحث كثيرًا، حيث توجد لدينا في الأخبار شواهد كثيرة، إلى ما شاء الله!٣
- المبسوط، ج ۱، ص ۱٦۰؛ شرائع الإسلام، ج ۱، ص ۱۱۷.
- لمزيد من الاطّلاع على كيفيّة بناء المساجد، راجع: أنوار الملكوت، ج۱، نور ملكوت المسجد.
- ﴿وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾.*
لم يكن هناك [بين أهل الجاهليّة] إيمان بالولاية أو إيمان بالنبيّ، حيث انغمس هؤلاء في آرائهم وأفكارهم الخاصّة وفي ظلمات القلب ودنسه وكدورته، وماتوا على النوايا والرغبات الشيطانيّة.
وإذا كنّا نرى وجود عيب في أهل الجاهليّة، فلأنّ أسلوبهم خاطئ. وحينئذ، إذا أتى النبيّ ولم يتعرّف عليه أحد الأشخاص، أو لم يتّبعه، أو أسلم ولم يُؤمن، أو كان مؤمنًا لكنّ إيمانه لم يكن قائدًا له كما ينبغي، أو أنّه لم يكن مُتّبعًا حقيقيًّا له كما ينبغي، فإنّ هذا الشخص سيكون مماثلاً لأهل الجاهليّة تمامًا؛ إذ لم يكن أهل الجاهليّة أفرادًا معيّنين نظر الله إليهم خاصّة بنظرة غضب، ولا أنّ الأفراد الذين اعتنقوا الإسلام لاحقًا في زمن النبيّ كان حسابهم منفصلاً؛ لأنّ الله تعالى ينظر بنظرة الرحمة والغضب تجاه الجميع على السويّة!
فالذي انغمس في الزمن الجاهليّ في الآراء والأهواء النفسانيّة سيتمّ تقريعه ومعاتبته بسبب اتّباعه لأهوائه النفسيّة؛ وإلاّ فقد كان في ذلك الزمان أشخاصٌ يبحثون عن الحقّ، ولا يتّبعون آراءهم وأفكارهم وأهواءهم الشخصيّة، مثل سلمان الفارسيّ. لقد عاش سلمان الفارسيّ في عصر الجاهليّة، وكم بحث في الدنيا! وكم تجشّم العناء حتّى وصل أخيرًا إلى المدينة والتقى بالنبيّ!** ويُقال: كان يبلغ سلمان من العمر ثلاثمائة سنة***، وكان أكبر من النبيّ بمائتين وخمسين عامًا. فقبل مولد النبيّ بمائتين وخمسين عامًا، كان سلمان من الأعاظم، وكان كاهن الكهنة، وسافر حول العالم وهو يبحث عن ضالّته؛ ولو مات في ذلك الزمان، ولم يلتقِ بالنبيّ، لما كانت ميتته ميتةً جاهليّةً؛ لأنَّه كان يبحث عن الحقّ.
﴿وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾.
فلو مات سلمان الذي كان يبحث عن النبيّ قبل أن يصل إليه، لما كانت ميتته ميتةً جاهليّةً! فهو كان يسير في طريق الوصول إلى الله ونبيّه،﴿فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾!
وأمّا إذا كان هناك شخصٌ في زمن الإسلام، ولم يتّبع النبيّ والإمام، ولم يُصغ إلى كلامهما، بل كان يعمل وفقًا لآرائه وأهوائه الشخصيّة، فسيكون مثل أولئك الأفراد الذين كانوا في عصر الجاهليّة! (العلّامة الطهراني)
* سورة النساء (٤)، الآية ۱۰۰.
** الطبقات الكبرى، ج ٤، ص ٥٦ ـ ٥٩؛ السيرة النبويّة، ج ۱، ص ٢۱٤ ـ ٢۱۸؛ كمال الدين، ج ۱، ص ۱٦۱ ـ ۱٦٥.
*** لمزيدٍ من الاطّلاع على الأقوال المتعدّدة بخصوص طول عمر سلمان الفارسي، راجع: نفَسُ الرّحمٰن في فضائل سلمان، ص ٦٤۷ ـ ٦٥۰.
