
معيار قيمة العمل (1)
محاضرة العلّامة الطهرانيّ في الأربعين
أهم محتويات المحاضرة: - معيار قيمة الإنسان على أساس التقوى؛ - معيار قيمة عمل الإنسان على أساس نيته؛ - نقد الشبهة حول قيمة الاختراعات المهمّة من أجل خدمة البشريّة وأعمال الخير الصادرة عن غير المسلمين؛ - دراسة مضّار بعض الاختراعات والاكتشافات العظيمة ضدّ البشريّة بسبب سوء استخدامها؛ - تحليل نيّة المخترعين والمكتشفين من غير المسلمين وأهدافهم؛ - أجر العلماء مطابق مع مرادهم وهدفهم من الاختراعات والاكتشافات؛ - أجر الأعمال وثوابها يكون على أساس نية الأفراد وهدفهم؛ - الحياة الجاهليّة تحصل بواسطة الحركة في طريق الأهواء النفسيّة، أمّا الحياة الطيبة الحركة نحو الحقّ (ت)؛ - علّة الخلود في جهنم أو الجنّة؛ - معيار كون نيّة العلماء والباحثين نيّةً إلهيّةً؛ و...
معيار قيمة العمل (۱)
16كان عطيّة من تلامذة ابن عبّاس، وقد كتب تفسيرًا للقرآن في خمسة أجزاء، وعرضه على ابن عبّاس ثلاث مرّاتٍ، كما قرأ عنده القرآن سبعين مرّةً، وكان من كبار رواة الشيعة!۱
خرج جابر بن عبد الله من المدينة قاصدًا الكوفة؛٢ وحينئذ، إمّا أن يكون أتى من المدينة برفقة عطيّة، أو أنّه أتى منها بمفرده متوجّهًا إلى الكوفة، ثمّ جاء من الكوفة مع عطيّة الكوفي لزيارة قبر حضرة سيّد الشهداء؛ لكنّ هذا الأمر غير معلوم. وبشكل عامّ، ينقل المرحوم عماد الدين الطبري الآمليّ روايةً بسلسلة سندٍ متصلةٍ عن عطيّة هذا في كتاب بشارة المصطفى ـ وهو من كتب الشيعة النفيسة ـ يقول فيها:
خرجتُ مع جابر بن عبد الله الأنصاري زائريْن قبرَ الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فلمّا وردنا كربلاء، دنا جابر من شاطئ الفرات، فاغتسل ثم اتّزر بإزار وارتدى بآخر (فأحرم هناك)، ثمّ فتح صرّة فيها سِعدٌ فنثرها على بدنه، ثمّ لم يخط خطوة إلا ذكر الله تعالى.٣
علّة غسل جابر وإحرامه قبل زيارة سيّد الشهداء في يوم الأربعين
كنت أفكّر يومًا ما في مسألة غسل جابر وإحرامه، حيث جاء في الروايات ما مفاده:
مَن مشى إلى الحجّ ولم يكن لديه لباس إحرامٍ فليُحرم في لباسه، لكن، عليه أن يرتديه مقلوبًا، ويخرج يديه، فيقلب المعطف ويضعه على كتفيه بحيث تكون الأكمام متدلّية إلى الأسفل.٤
فهل كان جابر قد سمع من رسول الله أو أمير المؤمنين بأنَّه على مَنْ يعزم على زيارة قبر سيَّد الشهداء أو قبر أحد الأئمّة أن يغتسل ويُحرم، أم أنَّه قد تفطّن لهذا الأمر بنفسه؟ فالفقيه هو ذلك الفرد الذي يتمكّن من تفريع الفروع عن أصولها. فكأنَّ روح الإسلام قد استقرّت في كيان جابر، وكأنَّه قد تذُّوق حقيقة الإسلام وتعرَّف على سرّ قوانينه، بحيث علِم بأنَّ للإحرام والغسل والزيارة والطواف ـ الذي تمّ تشريعه لأداء فريضة حجّ بيت الله ـ سرًّا وحقيقةً. فحقيقة بيت الله هو مقام ولاية سيِّد الشهداء عليه السلام! وبالتالي، فإنّ الموضع الذي وقع عليه جسده الشريف هو بيت الله؛ وهنا يكون محلّ دفن حقيقة مقام الولاية! فتلك الكعبة هي الكعبة الظاهريّة، وهنا يكون الباطن؛ ولهذا، ينبغي ـ من باب أولى ـ الغسل والإحرام هنا! وحتّى أنّه لدينا رواية تشير إلى هذا المعنى جاء فيها: «يجب أن يمتلك الفقيه ملكةً قدسيّةً!»٥ فالملكة القدسيّة هي عبارة عن نور يسطع على قلب الفقيه من الله تعالى، وبواسطته، يصير هذا الفقيه قادرًا على تطبيق الأحكام الكلّية على مصاديقها، ومتمكّنًا من التعرّف على هذه المصاديق بشكل جيّد. وقد كان جابر يمتلك مثل هذا النور بالشكل الذي مكّنه من تشخيص لزوم الغسل والإحرام ما دام عازمًا على زيارة قبر ابن بنت نبيّ الله! ولهذا، فقد اغتسل غُسل الطواف وغُسل الزيارة، وأحرَم متوجّهًا نحو حقيقة بيت الله تعالى!
- تنقيح المَقال، ج ٢، ص ٢٥٣.
- مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ۷۸۷؛ بشارة المصطفى، ص ۷٤.
- بشارة المصطفى، ص ۷٤.
- الكافي، ج ٤، ص ٣٤۷؛ وسائل الشّیعة، ج ۱٢، ص ٤۸٦ و ٤۸۷.
- مصباح الشريعة، ص ۱٦:
«قال الصّادق عليه السّلام: ”لاَ يحِلُّ الفُتيا لمَن لا يَصطَفِي [يَستَفتي] مِن اللهِ تعالى بصَفاء سِرِّه وإخلاصِ عَمَلِه وعَلانيتِه وبُرهانٍ من ربِّه في كلِّ حال؛ لأنّ مَن أفتى فقَد حَكَم، و الحكمُ لا يَصِحُّ إلّا بإذنٍ مِن الله عزّ وجلّ وبُرهانِه، ومَن حَكَم بِخَبرٍ بلا مُعايَنةٍ، فهو جاهلٌ مأخوذٌ بجَهله، ومأثومٌ بحُكمِه!“ كما دَلّ الخبرُ: ”العِلمُ نورٌ يَقذِفُهُ اللهُ في قَلبِ مَن يَشاء!“»
وجاء في كتاب ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، ج ٣، ص ۸:
«لا يحلّ الإفتاء في المسائل الشرعيّة لمن لا يستفتي الحقّ تعالى بباطنه الطاهر من القذارات، وبنفسه المطهّرة من كدورة ارتكاب المعاصي. ولا يجوز الإفتاء لمن لا تكون عبادته وطاعته خالصةً للَّه تعالى، ولا يكون ظاهره مطابقًا لباطنه، ولا يكون له في جميع المسائل الضروريّة والحالات اللازمة برهانٌ ومستمسكٌ كآيةٍ أو حديثٍ؛ أي: لا يجوز للإنسان أن يفتي في أيّ حكم من الأحكام ما لم يكن متّصفًا بهذه الصفات. (أي: طالما أنَّ الفرد لم يتّصف بهذه الصفات، فليس من الجائز أن يُفتي في أي حكمٍ من الأحكام). ولِمَ ذلك؟ لأنَّ الفتوى هي الحكم في المسائل الشرعيّة؛ والحكم هو جزمٌ في الأمور الشرعية ولا يكون صحيحًا إلّا بإذن الشارع والمرخّص والمجيز من ناحية الشارع بالدليل والبرهان القائم! وكل من يحكم بالخبر والحديث وينسبه إلى النبيّ أو إلى وصيّ النبيّ ولم يرَ الخبر ولا يجزم ويقطع به، فهو مفتي إذن، جاهلٌ بذلك الحكم وآثمٌ وعاصٍ!». (المحقّق)
