
معيار قيمة العمل (1)
محاضرة العلّامة الطهرانيّ في الأربعين
أهم محتويات المحاضرة: - معيار قيمة الإنسان على أساس التقوى؛ - معيار قيمة عمل الإنسان على أساس نيته؛ - نقد الشبهة حول قيمة الاختراعات المهمّة من أجل خدمة البشريّة وأعمال الخير الصادرة عن غير المسلمين؛ - دراسة مضّار بعض الاختراعات والاكتشافات العظيمة ضدّ البشريّة بسبب سوء استخدامها؛ - تحليل نيّة المخترعين والمكتشفين من غير المسلمين وأهدافهم؛ - أجر العلماء مطابق مع مرادهم وهدفهم من الاختراعات والاكتشافات؛ - أجر الأعمال وثوابها يكون على أساس نية الأفراد وهدفهم؛ - الحياة الجاهليّة تحصل بواسطة الحركة في طريق الأهواء النفسيّة، أمّا الحياة الطيبة الحركة نحو الحقّ (ت)؛ - علّة الخلود في جهنم أو الجنّة؛ - معيار كون نيّة العلماء والباحثين نيّةً إلهيّةً؛ و...
معيار قيمة العمل (۱)
11﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾؛۱ أي أنّ الله يُحاسب الجميع بنحوٍ سريع ودقيق جدًّا جدًّا، ويُحاسب كلّ واحدٍ طبقًا لفكره وقِيَمه، ويضع كلّ إنسان في مقامه الخاصّ! وأمّا ذلك الذي يسعى نحو مقام الطهارة، فليس للاختراع أيّة فائدة بالنسبة له، إلّا إذا كان من أجل سعادة البشر ولوجه الله تعالى، بحيث إن قيل له: «يا سيّدي إنَّ هذا الفعل الذي تقوم به ذو أضرار وآثار سلبيّة!» سيقول: «لن أفعله!»،
كان للعلّامة الحاجّ السيّد محمّد حسين الطباطبائي ـ أدام الله ظلَّه ـ٢ أخٌ اسمه السيّد حسن، وهو يصغره بسنةٍ أو سنتين، وكان رجلاً عجيبًا أيضًا! وقد قال السيّد محمّد حسين الطباطبائي:
لقد دوّن أخي كتابًا في فنّ الموسيقى، وكان موضوعه ما يلي: ما هي آثار النغمات المختلفة على النفس؟ فمثلاً: ما هي الحال التي تنشأ لدى الطفل الذي تُنشد له الأناشيد لكي يغلبه النوم؟ وأيّة حال تحصل لنفس الجمل حينما يحدون له الحداء، بحيث يقطع الطريق ليلاً نهارًا ولأيّامٍ عديدة ويوصل الحمولة إلى المحلّ المقصود إلى أن يموت من الجوع ويقع أرضًا؟ وما هي آثار النغمات والأصوات المختلفة على الإنسان من ناحية العلم الذي كان يهتمّ به [السيّد حسن] وهو فنّ العرفان، ومن ناحية التوجّه إلى الله تعالى؟ لقد دوّن مثل هذا الكتاب، وكان كتابًا نفيسًا أيضًا! ثمَّ التفت إلى أنَّه لو بقي هذا الكتاب، فسوف يُسيء النّاسُ استغلاله، ولن يحسنوا استعماله؛ ولذلك أحرقه وأتلفه وأعدمه لكيلا يبقى بعده هكذا كتاب! فلو وصل هذا الكتاب إلى أيدي بعض الأفراد من أمثاله، لاستفادوا منه فوائد حسنة جدًّا! ولكن، بما أنَّ هذا العلم سيصل إلى أيدي الجاهل الذي سيُسيئ استغلاله، فقد أعرض عنه، كي لا يبقى هذا الكتاب أثرًا بعده!
قيمة العمل بين عالم الاعتبار وعالم الحقيقة
ومن هنا، فإنّ كلّ عملٍ يقوم به الإنسان له ظاهرٌ وهيئةٌ خارجيّةٌ، وله باطنٌ وروحٌ. ومعيار قيمة العمل من ناحية عالم الاعتبار هو نفس المظهر الخارجيّ، بحيث كلّما كان ظاهر العمل أكبر وكان جذبه للأنظار أكثر، قيل: «هذا العمل أفضل!». وكلّما كان عدد الذين يُؤدّونه أزيد، قيل: «هذا العمل أفضل!». فإذا أمضى الإنسان الليالي بالعبادة إلى الصباح ـ مثل الربيع بن خُثَيم الذي كان يبقى يقظًا إلى الصباح لعدّة ليال ـ ٣ قيل: «هذا عمل بالغ الأهمّية!». وأمّا إذا كان ظاهر العمل ضئيلاً، فلن يكون له أيّ قدر أو قيمة! وبالتالي، لن تكون هناك قيمة لقصر أمير المؤمنين، لأنّه لم يكن له بلاط، وكان عليه السلام يرتدي طمرين باليين٤!٥ كما لم تكن لمالك الأشتر أيّة قيمة، بحيث كانوا يلقون ببقايا الخضار على وجهه؛٦ إذ لم يكن صاحب مظهرٍ خارجيٍّ [جذّاب]! وأمّا نظام معاوية فكان له بلاطٌ، وكانت له مائدة فيها أصناف متنوّعة من الأطعمة، وكان يمنح الأموال، وكان ملفتًا للأنظار ورجلاً مهمًّا جدًا، بحيث يصعب على المرء أن يصرف النظر عن هذا المشهد! فكان يخطف الألباب تمامًا! وحينما كانوا يأتون إلى مجلسه، كانت تُمدّ عند الظهر مائدةٌ تحتوي على أصناف الطعام التي أُعدّت من زيت أدمغة بعض الأنواع المعيّنة من الطيور والمخلوط بالعسل والزعفران الخاصّين!۷ فكلّ من كان متواجدًا هناك، كان يجلس على هذه المائدة، ويتزوّد منها! وأمّا في نظام أمير المؤمنين، فلا تُوجد مثل هذه المائدة، بل كان هناك كيس من الخبز اليابس الذي كان عليه السلام يكسر ختمه، ويفتحه، ويأكل منه!۸ والجهلة من الناس لا يهتمّون بهذا، بل يهتمّون بذاك!
- سورة غافر (٤۰)، الآية ۱۷.
- أُلقيت هذه المحاضرة في زمان حياة العلاّمة الطباطبائيّ رضوان الله تعالى عليه؛ ولهذا، ارتأينا إبقاء العبارة على أصلها. المعرّب
- مصباح الشّريعة، ص ۸٩.
- كتاب العين، ج۷، ص ٤٢٤: «الطِّمْرُ: الثوب الخَلَق».
- نهج البلاغة (عبده)، ج ٣، ص ۷۰.
- مجموعة ورّام، ج ۱، ص ٢.
- التذكرة الحمدونيّة، ج ۱، ص ٦٩.
- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ۱، ص ٢٦؛ مناقب آل أبي طالب عليهم السّلام، ج ٢، ص ٩۸؛ الغارات، ج ۱، ص ٥٥ و ٥۷.
