
حرية الفكر والاعتقاد
وضرورة التعقل وترك التقليد الأعمى
تحدث آية الله سماحة السيد محمد محسن قدس الله سره في هذه المحاضرة عن مفهوم حرية الفكر والاعتقاد وانتخاب الطريق الافضل طبقاً للآية الكريمة فبشّر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، مشيراً الى أهمية التمعن بالآيات القرآنية المليئة بالعبر والتوجيهات والتعامل معها بصِفتنا المخاطبين فيها، مؤكداً أن المنهج العقلائي لكل الأديان السماوية قائمٌ على أساس التفكر وانتخاب الافضل لتربيه الانسان. ثم بيّن أن الله أوجد طريقتين في التربية أولها العقل المتصل بنا فالله تعالى سيؤاخذنا على قدر معرفتنا بهذا العقل ولن يكلفنا فوق طاقتنا، ثم وضح توصية العرفاء لأهمية فهم حقيقة العبادات التي نمارسها لا فقط صرف أدائها، مستكملاً في بيان الطريقة الثانية في التربية الالهية وهي إرسال الرسل الالهيين والمعرفة بالعقل المنفصل، مؤكداً أن العقل هو الحجة الالهية علينا والتي تلزمنا بالتفكير والاختيار قبل اتّباع أي منهج، مُبيناً أن العرفان هو العقل والعقل هو العرفان، ثم وضح منهج العلامة في التربية والتوجيه من خلال إحكام العقل وحرية الفكر والبحث في آراء المخالفين ليتمكن الفرد من إحكام النتيجة المبنية على الحجة والدليل العقلي، وهذا مصداق للآية فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه مشيراً الى أهمية المراقبة الجدية في البرنامج السلوكي ومتابعة المعارف وإحكام حجّيتها بالعقل الحر. وجدير بالذكر أن هذه هي المحاضرة الأولى في سلسلة محاضرات ثلاث ألقاها سماحته حول أهمية التعقل وعدم التأثر بالإعلام
حرية الفكر والاعتقاد
3القرآن الكريم دستورٌ عرفانيّ وتربويّ وهو يخاطبنا كما يخاطب النبيّ
إنّ هذا القرآن عبارة عن آيات نزّلها الله تعالى على قلب النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مرآةً لانعكاس هذه الآيات وأضوائها على قلوب آحاد هذه الأمّة إلى يوم القيامة. ماذا يعني هذا الأمر؟ يعني إن كنّا الآن مئة شخص، فإنّ الآيات القرآنيّة أنزلت على كلّ فردٍ فردٍ جالسٍ في هذا المجلس، وجميع آيات القرآن [كذلك].
التفتوا، فإنّ هذه المسألة مِن أدقّ المسائل وأظرفها، وقد كانت منسيةً حتّى عند كثير مِنَ الأعاظم، وهي المنهج العرفانيّ والسلوك الإلهيّ الّذي يُربّي الإنسان ويهذّبه ويوصله إلى مرتبة الكمال. هذه هي الطريقة.
فالقرآن الكريم مِن أوّل سورة الحمد إلى آخر سورة الناس، أي ما يزيد عن ستّة آلاف وستمئة آيات، هو عبارة عن مطالبَ عرفانيّةٍ وتوحيديّة وقِصصٍ وعِبَر ومسائلَ أخلاقيّةٍ واجتماعيّة، تتكفّل بإدارة شؤون الدنيا والآخرة لكلّ شخص [منذ] ولادته حتّى يصل إلى مرحلة التكليف، ليتأهّل ويستعدّ لبلوغ مرتبة الكمال. ولكن بما أنّه لا يمكن أن يُنزِّل الله تعالى هذا الكتاب على كلّ فردٍ فردٍ، نزَّله على شخص واحد وهو النبيّ الأكرم (اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد).
على هذا، ليس الأمر هو ما يقوله بعضُ الجاهلين بالمعارف الإلهيّة، مِن أنّ القرآن قد نُزِّل على نفس النبيّ الأكرم [واختصّ به]، فعندما يقرؤه الإنسان يجب أن يقرأه حكايةً وحسب، فلو أردنا أن نقول {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}۱، فينبغي أن ننوي في أنفسنا أنّنا نقرأ ذلك حكايةً عمّا نُزِّل على النبيّ، يعني بما أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يقرأ هذا، فنحن نقرؤه كذلك!! لا [هذا ليس صحيحًا]. أو ما يقوله البعض مِن أنّ المخاطب بقوله {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}٢ هو النبيّ، فكيف لنا نحن أن نقرأ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} في الصلاة وفي غيرها وكأنّها نُزِّلت إلينا!! بل يجب على المرء – وهم أفتوا بذلك – عندما يقرأ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} في الصلاة أن ينوي أنّ قراءته هذه، هي قراءة لِما خوطب به النبيّ وأنّ قراءته هي اتّباع وحكاية!! [بناء على هذه الأقوال] فكأنّ هذا القرآن هو رسالة للنبيّ، ونحن نقرؤها على أنّها نُزِّلت قبل ألف وأربعمئة سنة على شخص واحد، ولا علاقة لنا بهذا القرآن، إلّا أنّ قراءتنا له هو مجرّدُ حكايةٍ وأداءٍ للتكليف وإبراءٍ للذمّة في الصلاة!!
- سورة الفاتحة (۱)، الآيات ۱ إلى ٥.
- سورة الإخلاص (۱۱٢)، الآية ۱.
