
تفسير قوله تعالى «فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ»
و حجيّة العقل
تجدر الإشارة أنّ هذه المحاضرة أُلقيت بشكل مستقلّ، ولكن استنسبنا إدراجها في سلسلة محاضرات (الدفاع عن الفلسفة والعرفان)، لتناسبهما الموضوعيّ.. تحدّث آية الله سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) في هذه المحاضرة حول قوله تعالى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، فالشريعة الإسلاميّة في آياتها ورواياتها الكثيرة حثّت على طلب العِلم واعتماد اليقين وذمّت الظن والجهل. وأشار إلى أهميّة العقل في المسائل العقائديّة الّتي لا يجوز التقليد فيها، مستدلًّا بذلك على أهميّة تعلّم الفلسفة والحكمة، اللذان يكشفان لنا عالَم الوجود. واستنكر على مَن يرفض الفلسفة رغم ما لها مِن إثباتات ودلائل قرآنيّة وروائيّة وعقليّة وعقلائيّة، وردّ ادّعاءاتهم الهزيلة، تارة بأنّ مجرّد عدم ذِكر عِلم ما في الشرائع ليس مناطًا في بطلان هذا العلم، وتارة بأنّ مجرّد وجود اختلاف في نتائج ومسائل عِلمٍ ما لا يُفسد في البين العِلم إلّا عند الجاهل. ثمّ تحدّث عن الفرق بين العرفان والفلسفة والشرع والتصوّف واشتراكهم في حقيقة التوحيد، وبيّن أنّ مشاهدة الحقائق تارة تكون بالحواس وأخرى بالعقل، وتارة بالمشاهدات النورانيّة والوجدان وأخرى بأخبار الشارع المقدّس، فالطرق إلى بلوغ المعارف والحقائق تتنوّع بتنوّع مصادرها.
تفسير قوله تعالى «فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ»
8على هذا، فإنّ إثبات وجود الله تعالى مثلًا، يمكن أن يكون بالعقل، وذلك بأن يضمّ قضايا عقليّة [ويستنتج منها تلك النتيجة]؛ مثلًا، كأن يرى العقلُ العالَم والحوادث في العالَم، فيضمّ هذه القضايا ويستنتج مثلًا أنّ العالَم متغيّرٌ، كالتغيّر في [فصوله] بين الصيف والربيع والشتاء والخريف، [ثمّ يقول العقل:] وكلُّ متغيّر حادث، فيصل العقل إلى هذه النتيجة وهي أنّ العالَم يجب أن يكون حادثًا، [ثمّ يقول:] لا بدّ لكلّ حادث مِن مُحدِث ومُوجِد، لأنّ المتحرِّك لا يكون بنفسه متحرِّكًا [بل لا بدّ له مِن مُحرّك]، مثلًا إنّ السيّارة متحرِّكة، فلا بدّ أن يكون لها محرِّكٌ وهو النفط مثلًا، لأنّ السيارة ليست متحرّكةً بنفسها، هذه قاعدة عقليّة، أو أنّ كلّ ما بالقوّة ينتهي إلى ما بالفعل لا بدّ له مِن سبب، يعني أنّ كلّ شيء فيه استعداد للتبدّل مِن حالة إلى حالة، لا بدّ أن يكون هناك ما يحوّله، لأنّ هذا الشيء لا يقدر بنفسه أن يحوّل نفسه، فلا بدّ أن يحوّله شيء آخر، وهذه قضية فلسفيّة وبديهيّة. على هذا، فإذا أثبت العقل مِن هذه القضايا أنّ الله تعالى موجود، فهل يمكن أن نردّ العقل ونقول: هذا العقل أخطأ في نتيجته؟! لا يمكن ذلك أبدًا، ولا يمكن للإمام عليه السلام أو للشارع أن ينفي هذه الطريقة ويقول: هذه الطريقة خطأ! فلأيّ شيء يقول ذلك! فإنّ أثبت العقل أنّ للعالَم مبدأ وأنّ للعالَم مُوجِدًا وأنّ للعالَم علةً، فلا يجوز للشرع أن ينفي ذلك، فلأيّ شيء ينفيه؟! أبدًا لا يمكن ذلك. فالعقل هو إحدى طرق [للعلم والمعرفة بالحقائق].
ويوجد طريق آخر، ما هو هذا الطريق؟ هو أن يقوم المرء بالرياضات ويترك الشهوات ويؤدّي الفرائض ويصون نفسه مِن الذنوب والشهوات وغير ذلك، فيرى في نفسه نورانيّةً، فيشاهد تلك الحقائق ويُخبر عنها، يعني أنّه يُخبر عن تلك المشاهدات الّتي هي قضايا واقعيّة؛ ففي روايةٍ أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دخل في يومٍ مِنَ الأيّام إلى المسجد فرأى شخصًا يُدعى زيد بن الحارث، كان وجهه مصفرًّا مِنَ اليقظة والسهر ليلًا وجسمه نحيفا، فقال: يا زيد، كيف أصبحت؟ قال: أصبحت موقنًا. فقال: ما علامة يقينك؟ قال: علامة يقيني أنّي أرى النار ومَن فيها وأرى الجنّة ومَن فيها، يا رسول الله، أ أُخبرك عن هؤلاء القوم مِن حولك، مَن منهم في النار ومَن منهم في الجنّة. فقال رسول الله: اسكت.۱ فهذا الشخص يرى، ونحن نقول عن هذا (عرفانًا)، فالعرفان هو المشاهدة. وهذه قضيّة واقعيّة، فهذا الشخص يرى الآن كما أنّنا نرى أنفسنا، فرأى أنّ فلانًا مِن أهل الجنّة وفلانًا مِن أهل الجنّة وآخر مِن أهل النار، هو الآن يرى، والرسول أيّده في ذلك وقرّر له ذلك. هذه إحدى الطرق.
- نور ملكوت القرآن، العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله سرّه)، ج٣، ص٢۷٩؛ مجموعه آثار شهيد مطهّرى (فارسي)، الشهيد الشيخ مرتضى مطهّري، ج٢٣، ص۱٥٢. (م)
