
الرد على بعض الإشكالات حول الولاية التكوينية
أجاب آية الله سماحة السيد محمد محسن قدس الله سره في هذه المحاضرة الرابعة عن عدة إشكالات حول الولاية التكوينية: • هل عدم خلق الله لما هو أشد منه قوة وآثاراً يُعد نقصاً لذاته؟ • لا حاجة لله تعالى أن يجعل الأئمة واسطة بينه وبين خلقه، فلماذا الولاية التكوينية؟ • هل جاءت الولاية التكوينية لسد النقص في الخلق ام لاستمراره وإدارته؟ • كيف نفسر الولاية التكوينية للأئمة في قبال ولاية الله على الامام، فهل توجد ولايتين منفصلتين؟ • هل يمكن لغير الإمام أن يصل الى مرتبة الولاية التكوينية؟ • كيف نستدل على علم الإمام بالغيب؟ • هل تُعد المكاشفات كرامة للعبد؟
الرد على بعض الإشكالات حول الولاية التكوينية
3فالولاية ليست سدًّا للنقص، ولم يُكتب في أيّ كتاب أنّ الولاية عبارة عن سدِّ النقص، بل الولاية عبارة عن الإحاطة بالشيء والسيطرة عليه، إمّا مِن حيث خَلقه وإمّا مِن حيث استمرارِ وبقاء هذا الخلق. هذه هي الولاية، الولاية التكوينيّة. وكذلك الولاية التشريعيّة، فهي عبارة عن إدارةِ أمرٍ، كما هو الحال في إدارةِ مؤسسةٍ.
نعم، إذا أُهملت هذه الولاية ولم يستعمل الله تعالى هذه الولاية لانعدم كلّ شيء، وهذا أمرٌ بديهيّ، ولكن هذا غير مسألة سدّ النقص، إذ سدّ النقص يعني أن يكون الشيء موجودًا ولكنّه ناقص، والشخص الّذي يتولى هذا الموجود يسدّ نقصه، بمعنى أنّه يسدّ نقص هذا الموجود ويرفعه ويوصله إلى المرتبة التامّة.
حقيقة الأمر في مسألة الولاية التكوينيّة، هو هذا: إنّ الولاية عبارة عن خلق الأشياء، كما هو مصرّح به في الآيات، والأدلّة الحكميّة والفلسفيّة تُثبت أنّ الله تعالى هو وليّ العالَم وهو مَن يتولّى العالَم، وهو كما يقول (مَالِكَ الْمُلْكِ)۱ (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)٢ (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)٣، يعني أنّ المسألة تختصّ به. وكلّ هذه الخلائق، سواء الخلق الماديّ في عالَم الشهادة أو الخلق في الملكوت وعالَم الغيب والملائكة، جميعها لله تعالى. يعني أنّهم عبيد لله تعالى وتحت رعاية الله تعالى ومملوكون لله تعالى، ولا دخل لأحد غير الله تعالى في هذه الملكيّة وفي هذه السلطنة وفي هذه الحكومة. هذه هي الولاية التكوينيّة، وهذا غير سدّ النقص؛ فخلق الأشياء هو عبارة عن ولاية الوليّ على خلقه، وإدارة هذه الأشياء هو عبارة عن استمرار البقاء والحياة في هذا الخلق. هذه المسألة الأولى.
الولاية التكوينيّة هي إعمال وإظهار للأسماء والصفات الإلهيّة مِن خلال مخلوقاته
المسألة الثانية هي: يمكن أن يقول البعض إنّ الله تعالى لا يحتاج إلى أن يجعل الأئمّة واسطة بينه وبين الخلق، ولا حاجة له لأن يجعل الملائكة واسطة بينه وبين الخالق، فلِمَ لا يتدخّل ويتصرّف الله تعالى بنفسه؟ لماذا يُرسل الله تعالى ملائكة العذاب إلى قوم شعيب مثلًا، ويرسل ملائكة الغضب والقهر إلى قوم كذا، ولا يتصرّف هو بنفسه في ذلك؟ لماذا يقول الله تعالى في القرآن فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا٤، فالمدبّرات هم الملائكة الّذين يدبّرون أمور العالَم، يدبّرون أمور عالَم المادّة والشهادة، ولا يتصرّف الله تعالى بنفسه؟ لماذا لا يقبض الله تعالى الأرواح بنفسه، بل يجعل بينه وبين العبد واسطة كجناب عزرائيل والملائكة الّذين تحت ولاية عزرائيل، كما تصرّح الآية الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ٥؟ لماذا لا يُلقي هو بنفسه الوحي إلى أنبيائه، فيجعل بينه وبين أنبيائه واسطة وهو جبرائيل أو روح القدس، [كما في قوله] نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ٦؟ لماذا يجعل الله تعالى بينه وبين النبيّ واسطة كجبرائيل وعزرائيل والملائكة، لماذا؟ ألا يدّل هذا على النقص في هذا العالَم؟
- سورة آل عمران (٣)، جزء مِنَ الآية ٢٦.
- مِنَ الموارد الّتي ذُكرت فيها هذه الفقرة في القرآن الكريم، في سورة البقرة (٢)، جزء مِنَ الآية ۱۰۷. (م)
- مِنَ الموارد الّتي ذُكرت فيها هذه الفقرة في القرآن الكريم، في سورة البقرة (٢)، جزء مِنَ الآية ۱۱٦. (م)
- سورة النازعات (۷٩)، الآية ٥.
- سورة النحل (۱٦)، جزء مِنَ الآية ٢۸؛ سورة النحل (۱٦)، جزء مِنَ الآية ٣٢.
- سورة الشعراء (٢٦)، الآيات ۱٩٣ و ۱٩٤.
