
الرد على بعض الإشكالات حول الولاية التكوينية
أجاب آية الله سماحة السيد محمد محسن قدس الله سره في هذه المحاضرة الرابعة عن عدة إشكالات حول الولاية التكوينية: • هل عدم خلق الله لما هو أشد منه قوة وآثاراً يُعد نقصاً لذاته؟ • لا حاجة لله تعالى أن يجعل الأئمة واسطة بينه وبين خلقه، فلماذا الولاية التكوينية؟ • هل جاءت الولاية التكوينية لسد النقص في الخلق ام لاستمراره وإدارته؟ • كيف نفسر الولاية التكوينية للأئمة في قبال ولاية الله على الامام، فهل توجد ولايتين منفصلتين؟ • هل يمكن لغير الإمام أن يصل الى مرتبة الولاية التكوينية؟ • كيف نستدل على علم الإمام بالغيب؟ • هل تُعد المكاشفات كرامة للعبد؟
الرد على بعض الإشكالات حول الولاية التكوينية
2أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أشرف الأنبياء والمرسلين وخاتم السفراء المقرّبين
أبي القاسم المصطفى محمّد
(اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد)
وعلى آله الطيّبين الطاهرين المعصومين المكرّمين
واللعنة الأبديّة على أعدائهم أجمعين ومخالفيهم وغاصبي حقوقهم إلى يوم الدين
إنّ الله تعالى يخلق ما هو معقول لا ما هو غير معقول
قبل الورود في البحث يوجد سؤال مِن أحد الإخوة، وهو: هل الله تعالى قادر على أن يخلق مَن هو مِثله وأشدّ منه قوةً وآثارًا، وإن لم يكن قادرًا فهو عاجز عن ذلك، وهذا نقص بالنسبة إلى الله تعالى؟
هذه المسألة بديهيّة البطلان، لأنّه إذا قلنا بأنّ الله تعالى علّة لمخلوقاته، فالمعلول حتمًا أضعف مِن علّته، فلا يمكن أن يكون المعلول أقوى مِنَ الله تعالى. هذا مِن ناحية، ومِن ناحية ثانية، إنّ الله تعالى يخلق ما هو معقول لا ما هو غير معقول، فكما أنّ الله تعالى لا يقدر على أن يخلق العدم، لأنّ حيثيّة العدم أنّه لا يتعلّق به الوجود أصلًا، كذلك الأمر هنا في هذه المسألة، فلا يمكن أن تتعلّق قدرة الله تعالى وإرادته بشيء غير معقول، فكيف يمكن [حينئذ] أن نتصوّر أن يخلق الله تعالى ما هو أشدّ منه قوّة وأشدّ منه آثارًا! يلزم مِن هذا ترجيح الفرع على الأصل، وهذا محال وباطل.
الولاية التكوينيّة هي سلطة في فعل الخَلق وفي استمرار وبقاء حياة المخلوق
على كلّ حال، بقيت هنا مسائل تتعلّق بالولاية التكوينيّة، وإحدى هذه المسائل: هل الولاية التكوينيّة عبارة عن سدِّ النقص ورفع النقص [في الخلق]، أو أنّه – كما قلنا في اليوم الأوّل – هي عبارة عن إدارةِ أمرٍ وخلقِ شيءٍ واستمرارٍ لهذا الخلق؟
إذا قلنا أنّ الولاية هي عبارة عن سدِّ النقص، فيلزم أن يكون هناك نقص في عالَم الخلق، والحال أنّنا نرى أنّه لا يوجد نقص أبدًا ولو بمقدار مثقالِ ذرّةٍ في هذا العالَم. [ويُثبت ذلك] برهان النظم الّذي يَستدلّ به الفلاسفة على وحدة الصانع وعلى مبدأ الوجود، والآيات تصرّح به كما في قوله مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ۱، والآيات الّتي تشير إلى النظم في العالَم وفي السماوات والأرض [كما قوله تعالى] لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا٢. نحن نستدلّ بهذا البرهان على وحدة الإله في العالَم، وعلى عدم النقص في هذا العالَم، يعني ليس في هذا العالَم نقصٌ أبدًا ولا عيبٌ أبدًا، بل هذا العالَم بما فيه مِن أفلاك ونجوم وثوابت وسيّارات كالأرض والقمر والشمس، وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ٣، هو عالم دقيق وعلى النظام الأحسن، فليس هناك نقص أبدًا، كما تصرّح الآية بذلك. ومع ذلك كلّه نقول إنّ الله تعالى وليٌّ على خلق هذا العالَم، والله تعالى وليٌّ ومدبّر لهذا النظام.
- سورة الملك (٦۷)، جزء مِنَ الآية ٣.
- سورة الأنبياء (٢۱)، جزء مِنَ الآية ٢٢.
- سورة يس (٣٦)، جزء مِنَ الآية ٤۰.
