
الولاية التكوينية للأنبياء والأئمّة عليهم السلام
في المحاضرة الثالثة مِنَ البحوث التأسيسيّة الّتي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ (قُدّس سرّه) في لبنان سنة 1420 هـ، حول الولاية التكوينيّة، وذلك باللغة العربيّة، تعرّض لإشكاليّة تعارض التوحيد الأفعاليّ مع اختيار المخلوق، فقدّم عدّة طروحات لبيان حقيقة المسألة، كما تعرّض لمسألة الولاية التكوينيّة للأنبيّاء والأئمّة عليهم السلام، فبيّن حقيقتها، وشرح معنى الإذن الوارد في الآيات الّتي تحدّثت عن بعض معجزات الأنبياء.
الولاية التكوينية للأنبياء والأئمّة عليهم السلام
4لمّا أراد الإمام عليه السلام الخروج مِنَ المدينة، سأله بعض إخوانه وأصحابه: لماذا تخرج مِنَ المدينة مهاجرًا إلى مكّة، لماذا؟ قال: «إن الله أراد أن يراني قتيلا». قالوا: ولماذا تصحب أسرتك وعائلتك معك؟ قال: «أراد الله أن يراهنّ سبايا».۱ يعني أن إرادة الله تعالى قد تعلّقت بقتلي. وفي رواية أخرى عنه عليه السلام [أنّ الرسول قال له]: «يا حسين، إنّ لك عند الله درجة لا تنالها إلّا بالشهادة»٢. فاستشهاد الإمام عليه السلام ليس مضرًّا بحاله، بل هو رافعٌ لدرجته، وسيكون شفيعًا للأمّة بأجمعها٣. يعني أنّ هذا المقام هو المقام الّذي يجب أن يصل إليه الإمام عليه السلام بالشهادة، والله تعالى هو مَن أختار له هذا، وأختار له هذه المصائب، فجميع هذه المصائب كانت شيئًا حسنًا للإمام عليه السلام، وكانت مضرّةً لمعانديه وقاتليه، كلٌّ بحسبه؛ فهذا اختار الشهادة، فرفعه الله تعالى بهذا الاختيار، وأولئك اختاروا عداوةَ ومواجهة ومعاندة الإمام عليه السلام، فأذلّهم الله تعالى وأدخلهم [جنّهم] بهذه المعاندة؛ وكِلا الأمرين مِن عند الله تعالى، يعني أنّ إرادة الله تعالى قد تعلّقت بهذه الحادثة وهذا الفعل في الخارج وبهذه الخصوصيّات، أي خصوصيّة انتساب كلّ فعل إلى صاحبه، أي انتساب هذا الفعل إلى الإمام، وهو ما أوجب له الرضوان والسعادة والمراتب العالية الّتي هيّأها الله تعالى له، وانتساب ذاك الفعل إلى الأفراد [الّذين واجهوا الإمام]، وهو ما أوجب لهم الذلّة مِنَ الله تعالى.
القدرة المُعطاة للجميع واحدةٌ فمنهم مِن يُحسن الانتفاع بها ومِنهم مَن يُسيء
على كلّ حال، هنا سؤال: هل تعلّقت إرادة الله تعالى بهذه الحادثة أم لم تتعلّق؟ لو قلنا أنّها لم تتعلّق، فلماذا حصل هذا الحدث في الخارج؟! وإذا قلنا أنّها تعلّقت، فإنّ القوّة الّتي كانت في الإمام عليه السلام، والقوّة الّتي في معانديه، كلاهما مِن عند الله تعالى، إلّا أنّ الإمام عليه السلام استفاد مِن هذه القوّة لإصلاح وتحسين حاله ورَفْع مقامه، ومعاندوه استفادوا مِن هذه القوّة للخذلان والهلكة، أمّا نفس القوّة فهي مِنَ الله تعالى.
فما أمر به عمر بن سعد في يوم عاشوراء عندما قال: يا خيل الله اركبي، اهجموا على الحسين وأتمّوا أمره٤، وركوب القوم الخيل وهجومهم على الإمام عليه السلام، كلّ ذلك كان بالقوّة والاختيار وبرفع الموانع وإيجاد الاستعدادات والمقتضيات لتحقيق هذه الحادثة في الخارج، الّتي كانت جميعها مِن عند الله تعالى. فالمهمّ هو أنّ هذا استفاد بهذا الشكل، وذاك استفاد بذاك الشكل؛ مثلًا، إنّ هذا السكّين الموجود الآن بيدي، مكنني أن أستعمله واستفيد منه في أمور نافعة، ويمكنني أن أستفيد منه استفادة سوءٍ مُوجبٍ للهلكة والفساد والتخريب وغير ذلك. فالسكّين واحد والاختيار في الإنسان واحد، فيمكنه أن يستفيد مِن هذه الآلة في الموارد النافعة، ويمكنه أن يستفيد منها في أمور مُفسدة [وفي إحداث] أثرٍ سيّءٍ وسلبيّ؛ هذه قضيّة على حِدَةٍ.
- اللهوف في قتلى الطفوف، السيّد ابن طاووس، ص٣٩. (م)
- اللهوف في قتلى الطفوف، السيّد ابن طاووس، ص٣٩؛ الأمالي، الشيخ الصدوق، ص٢۱۷. (م)
- اللهوف في قتلى الطفوف، السيّد ابن طاووس، ص ٢۰٤. (م)
- مقتل الحسين عليه السلام، الأزديّ، ص۱۰٤. (م)
