
الولاية التكوينية للأنبياء والأئمّة عليهم السلام
في المحاضرة الثالثة مِنَ البحوث التأسيسيّة الّتي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ (قُدّس سرّه) في لبنان سنة 1420 هـ، حول الولاية التكوينيّة، وذلك باللغة العربيّة، تعرّض لإشكاليّة تعارض التوحيد الأفعاليّ مع اختيار المخلوق، فقدّم عدّة طروحات لبيان حقيقة المسألة، كما تعرّض لمسألة الولاية التكوينيّة للأنبيّاء والأئمّة عليهم السلام، فبيّن حقيقتها، وشرح معنى الإذن الوارد في الآيات الّتي تحدّثت عن بعض معجزات الأنبياء.
الولاية التكوينية للأنبياء والأئمّة عليهم السلام
9إنّ أجزاء [بدن الإنسان] متعدّدة، كاليد والرِّجل وغير ذلك، ولكلّ جزء مِن أجزاء الإنسان خاصيّةٌ؛ مثلًا، إنّ ما يختصّ به العين هو البصر، والأذن تختصّ بالسمع، واللسان بالتكلّم، واليد بالحركة، والرِّجل [بالحركة]، وهكذا. نعم، إذا نظرنا واقًعا إلى أنفسنا، سنجد أنّ لكلّ جزء قدرة خاصّة، وهي قدرة واحدة منتشر في جميع الأجزاء؛ فهي قدرة واحدة، وهذه القدرة تظهر أحيانًا في الأذن، وأحيانًا في العين فيُبصر الإنسان، وأحيانًا في اليد فتتحرّك اليد، ولكن نفس القوّة فهي واحدة انتشرت في جميع الأجزاء؛ فقوّة الروح وقوّة النفس تستفيد مِن أجزاء [البدن] بالقوّة الموجودة فيها، نعم!
المعنى الواقعيّ للإِذْن وارتباطه بالولاية التكوينيّة للمعصوم
وبهذا، يتبيّن معنى الإِذْن في آية: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾۱، فالإِذْن هو الاستعداد والتهيّؤ الموجود في المرء، هذا هو الإذْن. وإذ تخلق بإذني، يعني تخلق بقدرتي، وتنفخ فيه بقدرتي، لا بقدرتك، فأنت لا شيء، لا شيء، فبدون إذني وإرادتي وقدرتي لكنتَ حجرًا أو شجرًا وخشبًا، فجميع ذلك هو مِن عند الله تعالى.
مثلًا، كثيرًا ما يحصل أن يُقال: لا يجوز أن تذهبوا إلى الأشخاص المبتلين بالوباء والطاعون والأمراض المسرية. لماذا؟ لأنّ ليس في الإنسان وقايةٌ تؤهّله للاحتكاك بهم، [فإن احتكّ بهم] سيسري هذا المرض إلى نفس الإنسان. أمّا إذا حُقن الإنسان بإبرةِ وقايةٍ مِن هذه الأمراض، مثل الدفتيريا والطاعون والهيباتيد وغيرها مِنَ الأمراض، يمكنه حينئذٍ أن يجلس مع أولئك الأشخاص ويتكلّم معهم، حتّى أنّه يمكنه أن يشرب مِن مائهم ويأكل مِن طعامهم وهكذا، دون أن يؤثّر ذلك عليه شيئًا، لماذا؟ يقولون: لأنّه مأذون، أي أنت مأذون في أن تذهب إليهم، لماذا؟ لأنّ فيك وقايةً، وبسبب هذه الوقاية أُذِنَ لك أن تذهب إلى مثل أولئك الأشخاص.
مثلًا، [تراهم] يقولون لشخص: أنت غير مأذون في هذه الدراسة، وذلك لأنّه يجهلها. ويقولون لآخر: أنت مأذون [في هذه الدراسة]، وذلك لأنّه درسها وأصبح معلِّمًا لها. ويقولون لهذا: أنت لست مأذونًا لفتح عيادةٍ. لماذا؟ لأنّه جاهل في الطبّ. ويقولون: أنت مأذون [لافتتاح عيادة]، وذلك لأنّه درس الطبابة وأصبح طبيبًا حاذقًا في الأمراض ومداواتها.. فمسألة الإذْن ناشئة مِن عدم المانع مِنَ القيام بهذه الأفعال الخارجيّة، والمانع هو الجهل وعدم القدرة وعدم الاختيار في هذه الأفعال. فإذا كان الشخص مهيّأً ومستعدًّا لعملٍ ما في الخارج، سيقول الناس: هذا الشخص مأذونٌ. ولكن هذا الإذْن ليس مِن عند الناس، بل هذا الإذْن هو مِن نفس الشخص، أي مِن تلقاء نفسه، فقول الناس بأنّه مأذون [يعني] أنّ الشخص قد صل إلى هذه المرتبة.
- سورة المائدة، جزء مِنَ الآية ۱۱۰.
