
الولاية التكوينيّة للملائكة
في المحاضرة الثانية مِنَ البحوث التأسيسيّة الّتي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ (قُدّس سرّه) حول الولاية التكوينيّة، في لبنان سنة 1420 هـ باللغة العربيّة، عرض في البداية موجزًا لِما جرى بيانه في الجلسة السابقة، ثمّ بيّن أنّ صدور الأفعال مِن قِبَل الإنسان إنّما يكون مِن خلال الصفات الّتي أودعها الله فيه، ثمّ بيّن أنّ الأفعال الصادرة مِنَ الله تعالى إنّما تتمّ مِنَ خلال أسماء الله وصفاته الحسنى. وعرض مباحث قرآنيّة متميّزة، بيّن خلالها: أنّ مدد الله لكافّة المخلوقات بالصفات يكون آناً بآن، وأنّ أمير المؤمنين هو ميزان الأعمال يوم القيامة، وأن ّالموجودات لا تؤثّر في العالَم الخارجيّ إلاّ بمقدار ما أودعهم الله مِن أسمائه وصفاته، وأنّ قِوى المخلوقات داخلة في قوّة الله ومستمدّة منه، لا خارجة عنه، وأنّ تصرّفات المخلوقات وأفعالهم إنّما تحصل مِنَ المخلوق نفسه بواسطة الأسماء والصفات المودعة فيه، لا بالطلب والدعاء. ثمّ وظّف كلّ هذه المباحث بمجموعها لاستنتاج ما يلي: إن كانت القدرة مِنَ الله تعالى، وهو مَن أودعها في ملائكته وغيرهم، ليقوموا بما أمرهم الله به، فلماذا يُستثنى مِنَ ذلك الأئمّة والأنبياء عليهم السلام؟! وبهذا يكون قد دحض إنكار المنكرين للولاية التكوينيّة.
الولاية التكوينيّة للملائكة
9على كلّ حالٍ، [قال تعالى:] ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾، يعني نحن نمدّ الكفار والمشركين والمنافقين، ونمدّ المؤمنين والمسلمين والملتزمين؛ ﴿كُلًّا نُمِدُّ﴾، أي [نمدّ] الطائفة الأولى والطائفة الثانية ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾، فما هو عطاء ربك؟ عطاء ربّك هو عبارة عن القدرة والإرادة والمشيئة والاختيار وتهيئة الأسباب، وكلّ ذلك للوصول إلى الكمال؛ فهذا يستفيد منه لصلاح الآخرة، وذاك يستفيد منه لصلاح الدنيا، والحال أنّ جميعها مِنَ الله تعالى؛ فهذا يعاتبه الله تعالى على سوء الاستفادة، وذاك يُؤجره ويثيبه ويُدخله الجنّة على حُسن الاستفادة.
فطبقًا لهذه الآية، فإنّ استمرار حياة جميع الأشياء في هذا العالَم يكون بتنزيل الحياة مِنَ الله تعالى عليها. هل تبيّن الأمر؟ فنحن أعطينا للإنسان الفكر والعين والأذن واليد والرِّجل [والقدرة على] الجهاد وأعطيناه الرحمة والشفقة والعقل و.. فنحن مَن أعطى ذلك لكلّ شخص: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ (في هذه الحالة فيكون) ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾۱، فنحن مَن أعطى الإنسان وخلقه وأودعنا فيه هذه الغرائز والصفات فـ ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾، نعم، فإذا استفاد الإنسان مِنَ العقل، فهو يستفيد مِن نِعَم الله، وإذا استفاد مِنَ القدرة فهو يستفيد مِنَ القدرة العظمى والصفات العظمى لله تعالى، كما يقول الله تعالى: ﴿وللهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، فهو لم يقل (لله اسمٌ أو لله صفةٌ خاصّةٌ فادعوه بها)، بل قال (لله الأسماءُ كلّها)؛ يعني إذا كنتَ مثلًا في ضيق فقُل: يا قاضي الحاجات، يا كافي المهمّات. وإن كنت في مرض فقُل: يا شافي، يا كافي. وإن كنت مثلًا في السوق فقُل: يا رازق. وإن لم يكن لديك ولد فقل: يا واهب، يا واهب الإنسان، يا واهب الولد، ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾٢، فإحدى صفات الله تعالى هو الواهب والمعطي.
فلكلِّ صفةٍ آثارٌ خاصّة، ويقول الخبراء إنّ لصفات وأسماء الله تعالى تأثير وحدود [في التأثير]، فهم خبراء [يعلمون] ما لهذه الأسماء مِن خصوصيّات وآثار، فيقولون إنّ في هذا الاسم آثار وخصوصيّات بهذا المقدار، وفي ذاك الاسم الآثار والخصوصيّات الكذائيّة، ولهذا الاسم خصوصيّة ليست في اسم آخر، ولهذه الصفة خصوصيّة ليست [في صفة أخرى]، [وهم يعلمون] كيف يمكن للإنسان أن يتوسّل بهذا الاسم وكيف يتوسل [بذاك الاسم]، مثلًا كأن يكرّر ذِكر هذا الاسم بعدد خاصّ، [على كلّ حال] فهذه مسألة أخرى وهي عميقةٌ واقعًا؛ ﴿وللهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
- سورة الإنسان، الآية ٢ و ٣. (م)
- سورة الشورى، جزء مِنَ الآية ٤٩.
