
حقيقة الولاية التكوينية
ألقى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانّي في هذه المحاضرة بحوثًا تأسيسيّةً حول الولاية التكوينيّة، فأوضح أنّ حقيقة الولاية التكوينيّة هو إيجاد شيء لم يكن موجودًا في الخارج وذلك عبر التصرّف في سلسلة العلل الملكوتيّة والغيبيّة لهذا الشيء، ومثّل لذلك بما صنعه النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) عندما شقّ القمر، إذ قد تصرّف في ملكوت القمر بهمّته وإرادته فشقّه نصفين. ونحوه الكلام في سائر معاجز الأنبياء وكرامات الأولياء عليهم السلام: كخلق الطير مِنَ الطين والنفخ فيه مِن قِبل عيسى عليه السلام، وغيرها. وفيما يلي أهم مواضيع المحاضرة: سرّ الولاية وحقيقتها – ما هو المراد مِنَ الولاية التشريعيّة – الفارق بين عالَم الشهادة وعالَم الغيب – ما هو المراد مِنَ الملكوت – انشقاق القمر والسرّ فيه – ما أفاده السيّد هاشم الحدّاد في المقام – حقيقة معاجز الأنبياء وكرامات الأولياء عليهم السلام – طرف مِن آثار تلاوة سورة الحمد في عالَم التكوين – دور التقوى والتوحيد في نيل الولاية التكوينيّة.
حقيقة الولاية التكوينية
7فلنُقِس هذا الأمر على معجزة الأنبياء؛ مثلًا عندما تصرّف النبيّ (صلّى الله عليه واله وسلّم) بالقمر – وهو حدث ثابت في التاريخ [وفي القرآن حيث قال:] ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾۱ – فكيف صنع النبيُّ حتّى شَقَّ القمر وغيّره وبدّله [عن حالته العاديّة]؟ فالنبيّ الآن على الأرض وله خصوصيّات خاصّة نراها، كالجسم والكمّ والكيف الخاصّ به، نعم! ونحن نرى القمر وما له مِن حجم عظيم، وأنّ بيننا وبينه فاصلةً بعيدة تقارب – على ما يُقال – بحسب الظاهر تسعمئة ألف كيلومتر، حسنًا، كيف يمكن [والحال هذه] أن يتصرّف النبيّ وهو بهذا الجسم والخصوصيّة والأوصاف [الماديّة] بالقمر، الّذي يفصلنا عنه مليون كيلومتر؟! فهذا مستحيل [باللحاظ الماديّ]، فكيف إذن أشار النبيّ إليه وقسَمَه نصفين؟ نحن نرى مِنَ البداية أنّ هذا الأمر ليس بأمر ماديٍّ أبدًا، ولا يتعلّق بعالَم الشهادة ولا يتعلّق بجسمه، لأنّ جسمه موجود على الأرض، ويفصلنا عن القمر ما يُقارب مليون كيلومتر، فكيف له أن يتصرّف بذلك ويقسّمه؟! هذا مستحيل [باللحاظ الماديّ]، فماذا الّذي فعله النبيّ؟ إنّ النبيّ قد تصرّف في ملكوت القمر – ونحن لا نرى هذا التصرّف – يعني أنّ النبيّ رجع إلى نفسه، ومِن باطنه ونفسه تصرّف في ملكوت القمر، وملكوت هذا القمر الماديّ هو في عالَم المجردات.٢
﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾٣، يعني أنّ زِمام الأمور كلّها [بيده]، وزمام جميع هذه الحوادث والحقائق بيد الله تعالى، لا نفس هذه المادّة ونفس هذا الحجر وهذا الشجر، [لا، بل] حقيقتها المخفيّة عنّا [هي الّتي بيده، فهي] كحقيقتكم المخفيّة عن صديقكم، كما لو عزمتم على فعل شيء ما، فهل صديقكم يعلم بذلك؟ هو لا يعلم.. فما نراه نحن هو [فقط] التغيّرات الّتي تحصل في عالَم المادّة.. والآن هل تعرفون ما الّذي سأقوله بعد دقيقة؟ لا تعرفون. هل أنا أعرف الآن ما الّذي يخطر ببالكم؟ مِنَ المحتمل الآن أنّكم تستشكلون على بعض مسائلي، فأنا لن أعلم بذلك حتّى تكتبوه [وتوجّهوه إليّ]، فأعلَم حينئذٍ ما هو الإشكال وفي أي نقطة [يكمن]. وذلك لأنّي لستُ مسلّطًا على ملكوتكم، ولا أنتم مسلّطون على ملكوتي، وأنا لا أعلم بملكوتكم ولا بنفسيّاتكم ولا ما يخطر ببالكم وذاكرتكم، وأنتم لا تعلمون [ذلك عنيّ أيضًا].
- سورة القمر (٥٤)، الآية ۱. للاطّلاع على دلالة الآية على معجزة النبيّ في شقّ القمر راجع (تفسير الميزان) للعلّامة السيّد الطباطبائيّ (قدّس الله سرّه)، ج۱٩، ص٥٥، وبحثه الروائيّ ص ٥۸. (م)
- المسافات المذكورة هي للدلالة على البُعد الكبير بين القمر والأرض، لا بالدقّة العلميّة، وهذا يظهر بوضوح مِنَ السياق ومِن لهجته في التسجيل الصوتيّ. على كلّ حال، قد أثبت المختصّون أنّ المسافة تتراوح بالكيلومترات بين ٣٥٦ ألف تقريبًا و ٤۰۰ ألف تقريبًا. (م)
- سورة المؤمنون، جزء مِنَ الآية ۸۸؛ سورة يس، جزء مِنَ الآية ۸٣. (م)
