
حقيقة الولاية التكوينية
ألقى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانّي في هذه المحاضرة بحوثًا تأسيسيّةً حول الولاية التكوينيّة، فأوضح أنّ حقيقة الولاية التكوينيّة هو إيجاد شيء لم يكن موجودًا في الخارج وذلك عبر التصرّف في سلسلة العلل الملكوتيّة والغيبيّة لهذا الشيء، ومثّل لذلك بما صنعه النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) عندما شقّ القمر، إذ قد تصرّف في ملكوت القمر بهمّته وإرادته فشقّه نصفين. ونحوه الكلام في سائر معاجز الأنبياء وكرامات الأولياء عليهم السلام: كخلق الطير مِنَ الطين والنفخ فيه مِن قِبل عيسى عليه السلام، وغيرها. وفيما يلي أهم مواضيع المحاضرة: سرّ الولاية وحقيقتها – ما هو المراد مِنَ الولاية التشريعيّة – الفارق بين عالَم الشهادة وعالَم الغيب – ما هو المراد مِنَ الملكوت – انشقاق القمر والسرّ فيه – ما أفاده السيّد هاشم الحدّاد في المقام – حقيقة معاجز الأنبياء وكرامات الأولياء عليهم السلام – طرف مِن آثار تلاوة سورة الحمد في عالَم التكوين – دور التقوى والتوحيد في نيل الولاية التكوينيّة.
حقيقة الولاية التكوينية
4فكلا النحوين يُسمّيان بالولاية؛ النحو الأوّل هو الولاية على خلق القرآن، بمعنى طبعه ونشره وكتابة آياته على الصفحات، إذ هذه الكتابة لم تكن موجودة وحتّى القرطاس لم يكن موجودًا وطبعه لم يكن موجودًا، [فالقيام] بكلّ هذه الأمور يُحقّق حادثةً وشيئًا في الخارج. [والنحو الثاني] هو أنّه بعد أن نطبع القرآن ونحقّق وجوده في الخارج، نتصرّف في أحواله وكيفيّاته، كأن نأخذه ونفتحه ونقرأه. فكلا النحوين يُسميّان بالولاية، الأوّل [هو الولاية] على نفس القرآن ووجوده، والثاني [هو الولاية في] التصرّف في أحواله وكميّاته وكيفيّاته بأيّ نحو كان، كقراءته والاستفادة منه.
على هذا، فالولاية عبارة عن إيجاد أمرٍ لم يكن موجودًا في الخارج، سواء كان [بإيجاد] نفس الشيء حيث لم يكن موجودًا مِن قَبل، أو أنّه كان موجودًا ولكن التبدّل والتغيّر في أحواله لم يكن موجودًا [فيُحدث تبدّلًا وتحوّلًا في أحواله]. فالشخص بنفسه وبإرادته يحقّق [ويُحدث] هذه الأمور. هذه المسألة الأولى.
النقطة الثانية: جميع الحوادث تقع في سلسلة العِلل التكوينيّة والغيبيّة المنزّلة مِن الله تعالى
أمّا المسألة الثانية الّتي لا بدّ مِن تبيينها، هي أنّ كلّ هذه الحوادث والموجودات الّتي [تتحقّق] في عالَم الخارج في عالَم المادّة، سواء بوجودها الأصليّ أو بوجدها التبعيّ، يعني مِن ناحية نفس هذه الحوادث والموجودات ومِن ناحية التغيّرات والتبدّلات والتحرّكات الّتي تَحدث لها بعد وجودها، [جميعها] معلولات ومُسبَّبات عن سلسلة العِلل الملكوتيّه والغيبيّة المنزّلة مِنَ الله تعالى ومِن مقام الأمر ومقام الإرادة والمشيئة.
يعني أنّ هذا العالَم بجميع موادّه وخصوصيّاته وبجميع العناصر والموادّ الموجودة في هذا العالَم – والّذي نعبّر عنه بعالَم الشهادة وعالَم المادّة – له علاقةٌ وارتباطٌ بعلّته الأولى، وهي الله تعالى.
يعني إذا تفحّصنا عن كيفيّة خِلقة هذا العالَم وكيفيّة وجوده، [لوجدنا أنّ] هذا العالَم لم يكن موجودًا منذ الأزل، وأنّه أصبح موُجودًا بإرادة الله تعالى ومشيئته، ولهذا العالَم علاقةٌ وارتباطٌ بالله تعالى. ومِنَ البديهيّ البيِّن أنّ الله تعالى مجرّدٌ ليس له مادّة، فليس لله تعالى وزنٌ وكميّات وكيفيّات وألوان وأشكال، فكلّ هذه الأمور تختصّ بعالَم المادّة، والله تعالى منزّه عن جميع هذه الأوصاف والخصوصيّات. ثمّ إنّ هذا العالَم المنزّل مِن ناحية الله تعالى وإرادته ومشيئته، لا بدّ لخَلقه مِن أسبابٍ ووسائطٍ تكون بين إرادته تعالى وبين هذا الخَلق، وهو هذا العالَم أي عالَم المادّة والشهادة، وذلك بناءً على قانون بطلان الطفرة.
