
حقيقة الولاية التكوينية
ألقى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانّي في هذه المحاضرة بحوثًا تأسيسيّةً حول الولاية التكوينيّة، فأوضح أنّ حقيقة الولاية التكوينيّة هو إيجاد شيء لم يكن موجودًا في الخارج وذلك عبر التصرّف في سلسلة العلل الملكوتيّة والغيبيّة لهذا الشيء، ومثّل لذلك بما صنعه النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) عندما شقّ القمر، إذ قد تصرّف في ملكوت القمر بهمّته وإرادته فشقّه نصفين. ونحوه الكلام في سائر معاجز الأنبياء وكرامات الأولياء عليهم السلام: كخلق الطير مِنَ الطين والنفخ فيه مِن قِبل عيسى عليه السلام، وغيرها. وفيما يلي أهم مواضيع المحاضرة: سرّ الولاية وحقيقتها – ما هو المراد مِنَ الولاية التشريعيّة – الفارق بين عالَم الشهادة وعالَم الغيب – ما هو المراد مِنَ الملكوت – انشقاق القمر والسرّ فيه – ما أفاده السيّد هاشم الحدّاد في المقام – حقيقة معاجز الأنبياء وكرامات الأولياء عليهم السلام – طرف مِن آثار تلاوة سورة الحمد في عالَم التكوين – دور التقوى والتوحيد في نيل الولاية التكوينيّة.
حقيقة الولاية التكوينية
13النقطة الخامسة: حقيقة ومصدر المعجزات وأفعال الإنسان واحد
[توجد هنا] نقطة ظريفة متعلّقة بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾، إذ ذَكَرَ لفظ ﴿بِإِذْنِي﴾ بين الخلق وبين النفخ، لماذا؟ لأنّنا نرى مِن بداية الأمر أنّ هذه المسألة ليست عاديّة، إذ لا بدّ أن يكون ذلك معجزة [بنظرنا]، ولكن الخلق مِنَ الطين كهيئة الطير هي مسألة عاديّة وليست مسألة غير عاديّة، بل هي عاديّة. وقوله: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾، ليس المقصود هو النفخ الظاهريّ، بل المقصود هو الإرادة والعزم على ذلك.
نحن مَن يرى أنّ هذا الأمر لا بدّ أن يكون غير عاديّة، وأنّه لا بدّ أن يكون مِنَ الله تعالى وحسب، ولكنّ الله تعالى يقول: نعم، إنّ الخلق هو مِن عيسى والنفخ وبعث الحياة هو مِن [عيسى، ولكن] بإذني، ويقول في آية [أخرى] بأنّ جميع ذلك هو مِنَ الله تعالى.
ما معنى الإذْن [في قوله تعالى:] ﴿تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾؟ يعني أنّ نفس هذا العمل العاديّ في الخارج هو نفسه معجزة، وهذا ما قاله السيّد الحداد، لاحظوا! قد قال: إنّ الناس إذا دعوا الله تعالى ليملئ هذا البئر ماءً ثمّ توضّؤوا منه وصلّوا، سيقولون حينئذ: إنّ هذا معجزةٌ، أمّا إذا نزلوا إلى ساحة المنزل وفتحوا أنابيب الماء وتوضّؤوا منه، سيقولون: إنّ هذا ليس بمعجزة، والحال أنّ كليهما عند العارف معجزة، فهذا مِنَ الله تعالى وذاك أيضًا مِنَ الله تعالى، يعني أنّ القدرة والمشيئة مِنَ الله تعالى. وهذا الأمر لا علاقة له بالاختيار، فهذه مسألة أخرى.
الفلاسفة والعرفاء يسمّون نفس القدرة والإرادة، [يسمّونها] بوحدة الفعل الخارجيّ في العالَم، [وذلك في قولهم بـ] وحدة الفعل ووحدة الصفة ووحدة الذات. فذاك [مصداق] لوحدة الفعل، يعني أنّ الفعل الواحد يصدر مِنَ الله تعالى بإرادته ومشيئته، ويظهر في العالَم الخارجيّ وعالم الشهادة، فنراه ونحسّ به، فقوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾، يعني إذا لم أُقْدرك أنا على فعل الخَلق الخارجيّ فلن تقدر على هذا الأمر العاديّ، لن تقدر أبدًا.
