
الهدف الأوحد للسالك الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى
تحدّث آية الله سماحة السيّد محمد محسن (قدّس الله سرّه) في هذه المحاضرة عن معنى لقاء الله تعالى في الآية الكريمة فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ، وعرض التفسير الشائع لها، وهو ملاقاة الله بصفاته الجماليّة أو الجلاليّة طِبقًا لأعمالنا، ثمّ طرح إشكالًا على هذا التفسير، وأكّد أنّ المعنى الحقيقيّ هو لقاء نفس الله تعالى. ثمّ بيّن حقيقة التجرّد في هذا اللقاء واختلافه عن اللقاء الماديّ، وأنّ حقيقة روح الإنسان لا يقابلها أي نعيم دنيويّ أو أخرويّ. وبيّن نقطتي الصعود والنزول لحركة الإنسان التكامليّة، ثمّ وضّح تفاوت الهِمَم للآخرة؛ فهناك مَن يروم الجنّة ونعيمها، وهناك مَن لا يرضى بغير الله تعالى. وأشار إلى الخسارة الكبرى في بيع النفس مقابل الجنّة وثوابها، والحال أنّ المَربَح جُلُّه هو في لقاء الله تعالى. ثمّ إنّ هذه الهمّة تتجلّى في أعلى صورها بالعبوديّة لله تعالى، وهو المراد بالعمل الصالح الوارد في آية فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا، فهو بهذا يرى في سلوكه مع نفسه ومع الأفراد أنّه عبدٌ محضٌ لله وكلّ ما لديه مِن نِعم هي إفاضة منه تعالى، معرّفًا ذلك بالبرنامج السلوكيّ للإنسان.
الهدف الأوحد للسالك الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى
7ففي الآخرة مراتب، وهذه المراتب تحتاج إلى جهد وتعب ومجاهدة ومراقبة؛ والإنسان أخبر بحاله وأعرف بحاله. والسير مُبَيَّن للجميع والأهداف مُبيَّنة وواضحة. فعلى هذا، مَن كان يريد هذه النِعَم الدنيّة في هذه الدنيا، فليس له نصيب مِنَ الله تعالى، لا مِن آثاره الجلاليّة والجماليّة ولا مِن آثار نفسه. ومَن كان يريد الآخرة، فالله تعالى سيرزقه منها على حسب اهتمامه ونيّته والجهد الّذي بذله مع هذه النيّة ولهذا الهدف؛ [وِمنها ذات الله تعالى، ويحصل ذلك بأن] يتغيّر ويتبدّل بحيث يصبح رافضًا لجميع الشوائب النفسانيّة والوجوديّة المبعّدة عن الله تعالى، فيتغيّر ليصبح بصورة التجرّد التامّ والروح القدسيّة، وحينئذٍ يكون مصادقًا لهذه الآية فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا، أي مَن كان يرجوا لقاء ربّه لا بدّ له مِن عمل يوصله إلى هذه المرحلة، ومَن كان يرجوا نعيم الجنّة فليعمل عملًا يوصله إلى هذا النعيم.
إنّ الأفعال مختلفة؛ فمَن كان يريد فقط أن لا يعذّبه الله تعالى وأن لا يُدخله النار، فهو يكتفي بعدم العذاب، [فترى أنّ مقدار عمله هو أن] يُصلّي ويصوم بحدٍّ معتدل على مستوى العامّة. ولكن إذا أراد أكثر مِن ذلك، فلا بدّ أن يهتمّ أكثر، فيقوم الليل ويراعي المسائل الّتي دُوّنت في الكتب ويقوم بأمور تقرّبه مِن هذا الهدف، ويتحمّل المشقّات [وغيرها] مِن أمور ويتحمّل الصعوبات، تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ۱، فهذه الدار وهذا المقام هما لِمَن لا يعلو ولِمَن لا يجد نفسه أعلى مِنَ الغير ولِمَن يخضع ويتواضع ولِمن لا يجد في نفسه استعلاءً، استعلاء أمام الله تعالى واستعلاء في كلّ شيء. فإذا حقّقَ الإنسان هذه المسألة – أي العبوديّة – في نفسه، [فكان يراها في جميع شؤونه، في معاملته] مع الناس [وغير ذلك]، ويرى أنّ كلّ ما بيده هو مِنَ نِعَم الله تعالى، وأنّ الله تعالى هو مَن أفاضها عليه، وأنّ كلّ عِلم يكتسبه هو مِنَ الله تعالى لا مِن عند نفسه، وأنّ كلّ نعمة أفاضها الله تعالى عليه يراها مِنَ الله تعالى، ستكون نفسه – طبعًا وأكيدًا – مطابقةً لهذه النية ولهذه الفكرة. هذا هو المقصود مِنَ العمل الصالح في هذه الدنيا [الّذي] يوصله إلى لقاء ربّه.
- سورة القصص، الآية ۸٣.
