
الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان
في المحاضرة الثالثة والأخيرة حول ردّ الشبهات ودفع التهم عن الفلسفة والعرفان، تحدّث آية الله سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) عن أهميّة الفلسفة والعرفان، وقال أنّ أساس منهج الإمام الصادق هو البحث والمعرفة، ومناظرة الملل والنِّحَل، بخلاف المناهج المنغلقة الأخرى. وأجاب سماحته عن الشبهة الواردة حول مقولة صدر المتأهلين «وإنّي لأستغفر الله كثيرًا ممّا ضيعت شطرًا مِن عمري في تتبّع الآراء المتفلسفة والمجادلين مِن أهل الكلام ...» مُبيّنًا أنّ المقصود هو أنّ الحكمة لا تؤتي أُكُلها بدون عملٍ واتّباعٍ حقيقيٍّ للمعصوم، وأنّ هناك بعض المسائل الفلسفيّة القديمة ليست ذات أهميّة علميّة وعمليّة، وهذا ما أجتنبه في كتابه الحِكَميّ الموسوم بالأسفار. وبيّن سماحته أنّ العرفان لا يخالف الشرع، وهو يناقش كلّ التوجّهات الأخرى مِن خلال التفكّر بمسائل الوجود ودراسة النظريّات العقليّة لا النقليّة فقط. ووضّح معنى العرفان بقسمَيه النظريّ والعمليّ. ثمّ أجاب على الشبهة في الدعوى الباطلة القائلة بأنّ أهل الفلسفة والصوفيّة ملعونون على لسان الأئمّة، مبيّنًا أنّ أقوال أهل البيت في هذا المجال كانت في حقّ مَن تصدّى للعِلم والدعوة، والحال أنّهم جهّالٌ ومُضلّون في الواقع، كما أنّه يوجد بين فقهاء الشيعة مَن اتّخذ إجازة الفقاهة والاجتهاد وسيلةً للإضلال والإفساد، فهل يجوز – والحال هذه – الانتقاص مِنَ التشيّع وعلمائه ومِنَ الفقه، وذلك لمجرّد وجود هؤلاء المنحرفين! ثمّ هل يجوز لمَن لم يتعلّم الفقه والأصول أن يُنكره ويرفضه لمجرّد جهله به؟!
الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان
2بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام عل سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين
مَن رام خلاف البحث والتحقيق فهو مخالف لأصل التشيّع
في اليوم الماضي ذكرنا عدّة أدلّة للمخالفين للفلسفة والعرفان النظريّ والعمليّ [ورددناها]. وقبل الورود في أصل المطلب، مِنَ المناسب أن نذكر مطلبًا، وهو أنّ حياة الشيعة هي حياة البحث والنظر. ويتمايز الشيعة عن أهل السنّة بالبحث والنظر والاجتهاد. ومِن زمن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى زماننا هذا، يفتخر الشيعة بأنّ مدرستهم هي المدرسة الصادقة والصحيحة، أمّا مدرسة أهل السنّة فهي مدرسة الضرب والجرح والشتم.
إنّ أمير المؤمنين مولانا علِيّ بن أبي طالب (عليه السلام) هو أوّل مَن فتح باب البحث، وباب معرفة الله تعالى بالبحث والنظر. أمّا الشيخان، لَمّا لم يكن لديهم دليل ولا حجّة، تسلّطوا على الناس بالضرب والشتم والإشاعات والأكاذيب. هذا هو الأمر الّذي يُميّز بين السنّة والشيعة. ومدرسة الإمام جعفر بن محمّد الصادق، أي المدرسة الجعفريّة، هي مدرسة البحث والنظر والمباحثة مع أهل الخلاف، مِنَ الصوفيّة والمعاندين مِن جميع المذاهب، كالأشاعرة والمعتزلة وأهل السنّة والنواصب وأهل البدع والمخالفين والمنحرفين والقائلين بعدم التوحيد. وكان الإمام جعفر بن محمّد الصادق يدفع ويشجّع تلامذته على البحث والمناظرة، وكان مِن أحبّ تلامذته [إليه] هشام بن الحكم وهشام بن سالم ومؤمن الطاق، لأنّهم كانوا يواجهون المخالفين بالمنطق والحكمة البالغة. هذا هو الأمر الّذين يميّز بين الشيعة وبين أهل الخلاف، وهذه هي حياة التشيّع، فهي حياة العِلم والبحث؛ وإذا ما اضمحلّ البحث وانتفى، يموت العِلم، فالعِلم ينشأ ويرقى بالبحث والمباحثة.
على هذا، وكما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام «أنظر إلى ما قال ولا تنظر إلى مَن قال»۱، هذا هو الركن الأساسيّ في حياة التشيّع. كما أنّ الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، هم فقط المعصومون مِن كلّ خطأ، أمّا بقيّة الأفراد فهم خطّاؤون بأجمعهم. وهذا أمر أساسيّ يجب أن لا ينكره أحد؛ يعني أنّ العلماء، مع ما هم عليه مِن تقوى ورجحان [في العقل]، ونحن نكرمهم ونحترمهم ونترحّم عليهم ونسألهم الشفاعة يوم القيامة، فمع كلّ هذا، هم خطّاؤون. فلا بدّ أن ننظر في أصل الشريعة وفي أصل النهج، ونأخذ فقط بما هو المأثور عن الأئمّة (عليهم السلام).
- السرائر، ابن إدريس الحليّ، طبعة العتبة العلويّة المقدّسة، ج۱، ص ۱۰٥. (م)
