انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

0
جبل عامل
جبل عامل
الجلسات

في المحاضرة الثالثة والأخيرة حول ردّ الشبهات ودفع التهم عن الفلسفة والعرفان، تحدّث آية الله سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) عن أهميّة الفلسفة والعرفان، وقال أنّ أساس منهج الإمام الصادق هو البحث والمعرفة، ومناظرة الملل والنِّحَل، بخلاف المناهج المنغلقة الأخرى. وأجاب سماحته عن الشبهة الواردة حول مقولة صدر المتأهلين «وإنّي لأستغفر الله كثيرًا ممّا ضيعت شطرًا مِن عمري في تتبّع الآراء المتفلسفة والمجادلين مِن أهل الكلام ...» مُبيّنًا أنّ المقصود هو أنّ الحكمة لا تؤتي أُكُلها بدون عملٍ واتّباعٍ حقيقيٍّ للمعصوم، وأنّ هناك بعض المسائل الفلسفيّة القديمة ليست ذات أهميّة علميّة وعمليّة، وهذا ما أجتنبه في كتابه الحِكَميّ الموسوم بالأسفار. وبيّن سماحته أنّ العرفان لا يخالف الشرع، وهو يناقش كلّ التوجّهات الأخرى مِن خلال التفكّر بمسائل الوجود ودراسة النظريّات العقليّة لا النقليّة فقط. ووضّح معنى العرفان بقسمَيه النظريّ والعمليّ. ثمّ أجاب على الشبهة في الدعوى الباطلة القائلة بأنّ أهل الفلسفة والصوفيّة ملعونون على لسان الأئمّة، مبيّنًا أنّ أقوال أهل البيت في هذا المجال كانت في حقّ مَن تصدّى للعِلم والدعوة، والحال أنّهم جهّالٌ ومُضلّون في الواقع، كما أنّه يوجد بين فقهاء الشيعة مَن اتّخذ إجازة الفقاهة والاجتهاد وسيلةً للإضلال والإفساد، فهل يجوز – والحال هذه – الانتقاص مِنَ التشيّع وعلمائه ومِنَ الفقه، وذلك لمجرّد وجود هؤلاء المنحرفين! ثمّ هل يجوز لمَن لم يتعلّم الفقه والأصول أن يُنكره ويرفضه لمجرّد جهله به؟!

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

10
  • [أمّا مرتبة] العرفان فهي أعلى مِن ذلك، [حيث يصبح العارف هو مَن] يفيض ذلك، فمَن وصل إلى هذه المرتبة تكون الملائكة في خدمته لا أنّه يراهم فقط؛ قال ابن سينا في كتابه أنّ العارف هو الّذي تطيعه مادّة الكائنات، وليس المقصود هو المادّة الّتي نتصرّف بها في عالَم الدنيا هذه، لا، بل مادّة عالَم الوجود، يعني أنّ كلّ عالَم الوجود يكون بخدمته، مِثل الإمام الرضا عليه السلام، فهو قد تصرّف في الصورة فصيّرها أسدًا، أي أسدًا واقعيًّا۱، وكعيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام، فقد تصرّف بالموتى فيصيّرهم أحياءً٢، وكتصرّف موسى بالعصى الخشبيّة فصيّرها حيّة٣، وكتصرّف نبيّنا صلّى الله عليه وآله وسلّم بالقمر فانشقّ٤، وتصرّفه بالشجرة فشهدت بالله وبرسالته ونبوّته٥؛ هذا التصرف هو تصرّفٌ إلهيٌّ.. تطيعه مادّة الكائنات.. [فمَن كان كذلك] فهو عارف، فالعارف هو الّذي وصل إلى مرتبة معرفيّة تصبح [معها] طاعة كلّ عالَم الوجود له مِن آثاره وخصوصيّاته، يعني أنّ كلّ عالَم الوجود يكون بخدمته؛ فكلّ عالَم الوجود هو بخدمة النبيّ، وكلّ عالَم الوجود هو بخدمة الإمام عليه السلام، العارف؛ يعني أنّ ذلك هو مِن آثار الوصول، لأنّه خلع نفسه وخرج مِن نفسه وفنى في ذات الله تعالى، ومِن خصوصيّة هذه المرحلة أنّ الله تعالى يؤتيه آثاره، «عبدي أطعني حتّى أجعلك مِثْلي (أو مَثَلي) أقول للشيء كن فيكون وتقول للشيء كن فيكون»، هذا حديث قدسيّ موجود في المجلّد [مئة واثنين] مِن بحار الأنوار٦. هذا مِن آثار العرفان.

  • ولكن – مع الأسف –بعض مَن كان في زمن الأئمّة عليهم السلام تتدخّلوا في هذا الأمر وتظاهروا بالعرفان، أمثال سفيان الثوريّ وحسن البصريّ وغيرهما۷، كانوا مخالفين للأئمّة المعصومين عليهم السلام، وكانوا يجذبون الناس مِن وراء الإمام عليه السلام، ويقفون في وجه الأئمّة عليهم السلام، ويراؤون، ويخالفون الأئمّة، ثمّ يسمّون أنفسهم عرفاء وصوفيّة، مع أنّهم ملعونون على لسان الأئمّة، لأنّ أقوالهم مخالفة لأقوال الأئمّة، وفعالهم مخالفة لأفعال الأئمّة، ومخالِفة للشرع. فهم كالأئمّة الأربعة، الّذين منهم أبو حنيفة، الّذي كان يقف بوجه الإمام عليه السلام.

    1. عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق، ط. مؤسسة الأعلمي، ج٢، ص۱۷٩، في حديث مفصّل عن الإمام العسكريّ عليه السلام، يَذكر فيه أنّ حاجبًا للمأمون أُمر بالحطّ مِن قدر الإمام الرضا عليه السلام في مجلس عامٍّ معدٍّ مسبقًا، فقال: يا بن موسى لقد عدوتَ طورك و تجاوزتَ قدرك أن بعث الله بمطرٍ مقدّر وقته لا يتقدّم و لا يتأخّر جعلتَه آيةً تستطيلُ بها ... 
      (تابع الهامش في الصفحة التالية...)
      (...تتمة الهامش من صفحة السابقة)
      فإن كنتَ صادقًا فيما توهم فأحيي هذين وسلّطهما علَيّ فإنّ ذلك يكون حينئذٍ آية معجزة ... وكان الحاجب أشار الى أسدين مُصوّرين على مسند المأمون الّذي كان مستندًا عليه، وكانا متقابلين على المسند. فغضب علِيّ بن موسى عليه السلام وصاح بالصورتين: دونكما الفاجر، فافترساهُ ولا تُبقيا له عينًا ولا أثرًا. فوثبت الصورتان، وقد عادتا أسدين، فتناولا الحاجب ورضّاه وهشّماه وأكلاه ولحسا أدمه، والقوم ينظرون متحيّرين ممّا يبصرون. فلمّا فرغا منه، أقبلا على الرضا عليه السلام وقالا: يا وليّ الله في أرضه، ماذا تأمرنا نفعل بهذا؟ أنفعل به ما فعلنا بهذا؟ يُشيران إلى المأمون، فغشي على المأمون ممّا سمع منهما، فقال الرضا عليه السلام: "قفا! فوقفا، ثمّ قال الرضا عليه السلام: عودا الى مقرّكما كما كنتما، فصارا إلى المسند وصارا صورتين كما كانتا" (م)
    2. قال تعالى عن لسان عيسى: {وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ} سورة آل عمران، جزء مِنَ الآية ٤٩. (م)
    3. قال تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ، قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى ، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} سورة طه، الآيات ۱۷ – ٢۰. (م)
    4. راجع حول ذلك كتاب (تفسير الميزان) للعلّامة السيّد الطباطبائيّ، ج۱٩، ص٥٥ في تفسير آية {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}، وص٥۸ في بحثه الروائيّ حول الآية نفسها. (م)
    5. بحار الأنوار، الشيخ المجلسيّ، طبعة دار إحياء التراث العربيّ، ج۱۷، ص٣۷٦، الحديث ٣٩: الخرائج: روي أنّه (صلّى الله عليه وآله) كان في سفر، فأقبل إليه أعرابيّ فقال (صلّى الله عليه وآله): هل أدلّك إلى خير؟ فقال: ما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدًا رسول الله. فقال الإعرابيّ: هل مِن شاهد؟ قال: هذه الشجرة. فدعاها النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فأقبلت تخدّ الأرض، فقامت بين يديه، فاستشهدها، فشهدت كما قال، وأمرها فرجعت إلى منبتها. ورجع الإعرابيّ إلى قومه وقد أسلم، فقال: إن يتّبعوني آتيتك بهم، وإلّا رجعتُ إليك وكنتُ معك. (م)
    6. راجع هذا الحديث مع مصادره المخرّجة في كتاب (افق وحى – فارسي) للعلّامة السيّد محمّد حسين الحسينيّ الطهرانيّ، ص۱٥۰. وفي كتاب (اسرار ملكوت – فارسي) لسماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ، ج٢، ص٦٥. (م)
    7.  قال العلّامة السيّد محمّد حسين الطهرانيّ (قدس) في كتاب (معرفة الإمام)، ج٥، ص ۱۷٩: كم هو بعيدٌ عن الشهامة والمروءة أن نستغلّ التشابه اللفظيّ للتصوّف والصوفيّة، فنوصد طريق الشهود والوجدان والعرفان ولقاء الله تمامًا. وكم هو بعيد عن الشهامة والمروءة أن نوازن بين المدرسة الّتي تضمّ أمثال ‌السيّد ابن طاووس، والشهيدين، والنراقيّين، والسيّد مهدي بحر العلوم، وابن فَهْد الحلّيّ، والمجلسيّ الأوّل، والسيّد عليّ الشوشتريّ، والشيخ الأنصاريّ، والآخوند الملّا حسين قلي الهمدانيّ، وتلاميذها الّذين تزخر بهم، وبين مدرسة تضمّ أمثال الحسن البصريّ، ومحمّد بن المُنكدر، وسفيان الثوريّ وأمثالهم مِنَ الذين يظنّون التصوّف طريقًا مستقلًّا، وذلك للانفصال عن الأئمّة. وعن طريق كلمة الصوفيّة التي ورد ذمّها في بعض الروايات، نجعل الجميع تحت مهماز هذه الكلمة جهلًا أو عمدًا وتجاهلًا مِن خلال تطبيق هذا العنوان، ونضربهم بسوط الإبعاد والتكفير والتفسيق والكلمات النابية الجارحة والتهم الهوجاء الجوفاء. أقول: إنّ المبحث الّذي وردت فيه هذه الفقرة المنقولة مطابقٌ لموضوع هذه المحاضرة، لِمَن أحبّ الاطّلاع. (م)