
حقيقة التوحيد عند الفلاسفة و العرفاء
في إطار جوابه عن الاستفسارات المطروحة حول الفلسفة والعرفان، تحدّث آية الله سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) في هذه المحاضرة، حول نظريّة وحدة الوجود، مبيّنًا أنّها مسألة أساسيّة في الفلسفة، ثمّ وضّح أنّ مرادفها على لسان العرفاء هو (التوحيد الأسمائيّ، والتوحيد الصفاتيّ، والتوحيد الأفعاليّ)؛ فقدّم شرحًا وافيًا عن كلّ منها وبالأمثلة، ووضّح كيف أنّ إرادة الإمام هي عين إرادة الله تعالى. مُشيرًا إلى معنى السير الطوليّ والعرضيّ، أي سلسلة العلل الطوليّة وسلسلة العلل العرضيّة، اللازمتان لوجود أيّ مخلوق. ثمّ بيّن كيف يمكن للوليّ أن يطّلع على عالَم المِثال. وبيّن مسألة الاختيار، والفرق بين فعل الإنسان الّذي يكون باختياره وبين قدرة الله الّتي منحها له. ثمّ وضّح معنى اندكاك العبد في ذات الله.
حقيقة التوحيد عند الفلاسفة و العرفاء
4هل فكرتم كيف تصرّف الإمام عليه السلام بهذا الستار وبهذه الصورة– وهي واقعًا صورةٌ لا [شيءٌ آخر] – فبدّلها إلى حيوان واقعيّ؟ هذا ليس شعوذةً ولا سحرًا، فهذه واقعةٌ وحكاية واقعيّة، فلو كان هناك كاميرا مثلًا لسجّلت هذه الحادثة وشاهدناها [الآن، ورأينا أنّها واقعيّة]، ولكن لم يكن هناك وجودٌ للكاميرا [وقتها]. فكيف فعل الإمام عليه السلام ذلك؟ فإنّ نفس إرادة الوليّ، ونفس إرادة الإمام عليه السلام تُوجِد [الأشياء]، يعني أنّ الإمام عليه السلام {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}۱، [فالمسألة مسألةُ] أمرٍ فقط وإرادةٍ فقط، ولا شيء غير ذلك. فإن تعلّقت إرادة الله تعالى بهذا الشيء، وتعلّقت إرادة الله تعالى بخلق هذا الشيء، فسيُخلق، ولا حاجة إلى شيء آخر، وكذلك إرادة الوليّ، أي إرادة الإمام عليه السلام. والمقصود مِن الوليّ هو مَن وصل إلى مرتبة الفناء، فهو الّذي يجوز له هذا التصرّف، أي يمكنه [أن يقوم] بهذا التصرّف، أمّا غيره فلا يمكنهم ذلك.فنفس إرادة الإمام عليه السلام والنبيّ، هو عبارة عن تحقّق هذا الأمر في الخارج؛ فنفس إرادة الرسول بانشقاق القمر موجبٌ لانشقاق القمر، {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}٢، يعني أنّ نفس إرادة الرسول موجبة لذلك، ولا [حاجة] لشيء أزيد مِن ذلك.
تحقُّق الشيء يتوقّف على مرحلتين طوليّة وعرضيّة
كيف فعل الإمام عليه السلام ذلك في عالَم الإمكان؟ إنّ إرادة الإمام عليه السلام هي إرادة الله تعالى، فإذا أراد الله تعالى أن يخلق شيئًا، فلِخِلقة الشيء الماديّ مراتبٌ؛ نحن نرى الأمور الماديّة، ولا نرى ولا نعلم أيَّ مراتبٍ قد طواها هذا الشيء الماديّ، حتّى صار بهذا الشكل، نحن لا نرى ذلك؛ فما ترونه هو ولادة طفلٍ مِن أمّه، ولكن هذا الطفل قَبْل ولادته لم يكن بهذا الشكل، بل كان له شكل خاصّ في رحم أمّه، فمرّ بهذه الصور؛ أوّله نطفة ثمّ علقة وغير ذلك [مِن صور] حتّى صار طفلًا، ثمّ وُلد بعد تسعة أشهر، يعني لا بدّ مِن طيّ هذه المراحل مِن أوّل الأمر إلى نهايته حتّى يولد.٣ هذا ما نسمّيه بالسير العرضيّ، فالسير العرضيّ، هو السير الّذي [تحصل معه] هذه التبدّلات والتغيّرات حتّى يصير هذا الشيء [كما نراه]. ماذا كان أوّل أمر هذه الفاكهة الّتي ترونها؟ كان أوّل أمرها ماءً وترابًا، فدخل الماء والتراب في الشجر وأَوجدا أوراقًا، ومِنَ الأوراق زهرة، وفي الزهرة فاكهةٌ صغيرة تأخذ بالنمو شيئًا فشيئًا حتّى تصير إجاصًا أو برتقالًا مثلًا، هذا ما نعبّر عنه بالسير العرضيّ.
- سورة يس (٣٦)، الآية ۸٢.
- سورة القمر (٥٤)، الآية ۱.
- إشارة إلى قوله تعالى في سورة الحجّ الآية ٥ {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا}، وكذلك في سورة المؤمنون الآيات ۱٢ إلى ۱٤، وفي سورة غافر الآية ٦۷. (م)
