
حقيقة التوحيد عند الفلاسفة و العرفاء
في إطار جوابه عن الاستفسارات المطروحة حول الفلسفة والعرفان، تحدّث آية الله سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) في هذه المحاضرة، حول نظريّة وحدة الوجود، مبيّنًا أنّها مسألة أساسيّة في الفلسفة، ثمّ وضّح أنّ مرادفها على لسان العرفاء هو (التوحيد الأسمائيّ، والتوحيد الصفاتيّ، والتوحيد الأفعاليّ)؛ فقدّم شرحًا وافيًا عن كلّ منها وبالأمثلة، ووضّح كيف أنّ إرادة الإمام هي عين إرادة الله تعالى. مُشيرًا إلى معنى السير الطوليّ والعرضيّ، أي سلسلة العلل الطوليّة وسلسلة العلل العرضيّة، اللازمتان لوجود أيّ مخلوق. ثمّ بيّن كيف يمكن للوليّ أن يطّلع على عالَم المِثال. وبيّن مسألة الاختيار، والفرق بين فعل الإنسان الّذي يكون باختياره وبين قدرة الله الّتي منحها له. ثمّ وضّح معنى اندكاك العبد في ذات الله.
حقيقة التوحيد عند الفلاسفة و العرفاء
3فالفلسفة الإسلاميّة تُثبت أنّ كلّ الموجودات في العالَم – الّتي نرى منها آثارًا مختلفة وأفعالًا مختلفة، إذ فعل هذا الجسم غير فعل ذاك الجسم – مِن حيوانات على اختلافها ونباتات على اختلافها وجمادات، فجميعها يختلف بعضها عن بعض، وما ترونه في الفاكهة مثلًا، فبعضها مُرّ وبعضها حلو وبعضها حامض وغير ذلك، وكذلك جميع الأجسام والمواد، والمواد الأوليّة والعناصر، والمواد الثانويّة الّتي تتركّب منها الأشياء وتتكوّن منها، كالمياه وغيرها؛ فإنّ حقيقة الجميع واحدة.
سأبيّن لكم هذه المسألة بمثال آخر، مِن باب المثال فإنّ مادّة هذا الفرش هو الوَبَر طبعًا، وإنّ مادّة الإنسان والغنم والماعز هي اللحم، ولكن إذا أحرقتم – على سبيل المثال – هذا الفرش فلن يصير إلّا ترابًا طبعًا، وإذا أحرقتم الماعز والغنم فلن يصيرا إلّا ترابًا كذلك، والتراب هو نفسه هذا التراب، يعني أنّ حقيقته وخصوصيّته الحيوانيّة قد تبدّلت إلى [مادّة] ترابيّة، فهذا الغنم قد تبدّل إلى [مادّة] ترابيّة، بحيث إذا خلطنا ترابه مع هذا التراب لن نميّز بين الترابين، فليس هناك فرقٌ بين هذا وذاك إلّا في الخصوصيّات الّتي تعلّقت بالشيء في مرحلته الثانية، إذ هو في المرحلة الأولى كان ترابًا، ثمّ تصرّف الله تعالى في هذا التراب فصار [في مرحلته الثانية] فراشًا وصار غنمًا وصار حلاوةً وصار حموضةً، وصار فاكهة وشجرًا، وصار صابونًا مثلًا، فكلّ هذه الأشياء الّتي بين أيدينا وإلى جانبنا، كلّها ذات حقيقة واحدة. هل اتضح الأمر؟ هذا بالنسبة إلى عالَم المادّة.
ويذكرون في الفلسفة أنّ عالَم الجواهر والأعراض، جميعها مع عالَم المجرّدات وعالَم المادّة، ذوو حقيقة واحدة، كيف ذلك؟ إنّ الخصوصيّة الّتي بها نسمّي هذه المادّة، هي كتلته الخاصّة وثقله ووزنه وخفّته ومثقاله ولونه الخاصّ، فأسألكم؛ كيف خُلقت هذه المادّة بهذا الشكل، فهل هناك عالَم آخر مدّ اللهُ تعالى يده إليه – والعياذ بالله – وأخذ منه قبضةَ ترابٍ فخلق منها الإنسان مثلًا، ثمّ مدّ يده مرة أخرى وأخذ منه قبضةَ ترابٍ وخلق مِنها الحيوان، وكذلك مع باقي الموجودات؟! [فإن كان الأمر كذلك] فأين هو ذاك العالَم! [هذا] يعني أنّ ليس مِن الله تعالى وجود غير الله تعالى، فالوجود مختصّ بالله تعالى. فأين هو ذاك العالَم الّذي أخذ الله تعالى منه [تلك الأتربة]؟! وهل خلَقه غير الله تعالى؟! هذا مستحيل. على هذا، ليس الأمر أنّ هناك عالَمًا موجودًا قَبْل الله تعالى، فأخذ الله تعالى منه [أتربةً] ليخلق منها المجرّدات والمادّيات كلٌّ بحسبه، [كلّا]، بل إنّ الله تعالى يَخلق مِن إرادته ومشيئته. مثال ذلك؛ لا بدّ أنّكم تعلمون أنّ مِن معاجز الإمام علِيّ بن موسى الرضا عليه السلام – وكذلك موسى بن جعفر – أنّه أمر صورة الأسد الّتي على الستار قائلًا: يا أسد الله خذ عدوّ الله. وإذ بهذه الصورة – أعني فقط الصورة الّتي على الستار – تتبدّل إلى جسم حيوان، هو أسد له وزنٌ بمقدار ثلاثمئة أو أربعمئة كيلو مثلًا، وشَعرٌ وذنَب ومخالب وأسنان، يعني أنّه كان [أسدًا] كالأسد الّذي نراه في حديقة الحيوانات مثلًا، بدون أي فرق أبدًا أبدًا أبدًا، فقام الأسد بافتراس الشخص [الّذي أمره الإمام أن يفترسه].۱ فالسؤال هو، مِن أين وكيف وبأيّ نحو، بدلّ الإمام عليه السلام هذه الصورة إلى حيوان واقعيّ أمام الناس والأفراد، فهل قبض مِن ناحية ما ترابًا ونفخ فيه فتبدّل إلى أسد؟ لا، لم يقبض الإمام مِن أيّ ناحية [شيئًا].
- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص٢۱٢. (م)
