
حقيقة التوحيد عند الفلاسفة و العرفاء
في إطار جوابه عن الاستفسارات المطروحة حول الفلسفة والعرفان، تحدّث آية الله سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) في هذه المحاضرة، حول نظريّة وحدة الوجود، مبيّنًا أنّها مسألة أساسيّة في الفلسفة، ثمّ وضّح أنّ مرادفها على لسان العرفاء هو (التوحيد الأسمائيّ، والتوحيد الصفاتيّ، والتوحيد الأفعاليّ)؛ فقدّم شرحًا وافيًا عن كلّ منها وبالأمثلة، ووضّح كيف أنّ إرادة الإمام هي عين إرادة الله تعالى. مُشيرًا إلى معنى السير الطوليّ والعرضيّ، أي سلسلة العلل الطوليّة وسلسلة العلل العرضيّة، اللازمتان لوجود أيّ مخلوق. ثمّ بيّن كيف يمكن للوليّ أن يطّلع على عالَم المِثال. وبيّن مسألة الاختيار، والفرق بين فعل الإنسان الّذي يكون باختياره وبين قدرة الله الّتي منحها له. ثمّ وضّح معنى اندكاك العبد في ذات الله.
حقيقة التوحيد عند الفلاسفة و العرفاء
2أعوذ بالله الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على خير خلقه وأشرف بريّته
محمد الحميد المحمود وعلى آله أمناء المعبود
هذه المسألة مِن أهم المسائل العرفانيّة والفلسفيّة، وأنا اعتقد أنّ ليس هناك مسألةٌ أهمّ مِنها. والعلماء في تفسير وبيان هذه المسألة على مناهج مختلفة.
فالفلاسفة يعبّرون عن هذه المسألة بوحدة الوجود. ومسألة (وحدة الوجود) هي مسألة أساسيّة في الحكمة الإسلاميّة، خصوصًا في الحكمة المتأخّرة، أي حكمة صدر المتألّهين، وإن كانت هذه المسألة موجودةً قَبل صدر المتألّهين. والحكماء الإسلاميّون والعرفاء يعبّرون عن هذه المسألة بوحدة الأفعال والصفات والأسماء ...؛ فهذه المسألة، إذا لاحظناها مِن ناحية فلسفيّة، نعبّر عنها بوحدة الوجود. وهنا قواعد تدلّ جميعها على ذلك المعنى، (عباراتنا شتى وحُسنك واحد، وكلٌ إلى ذلك الجمال يشير)۱؛ فتارة يعبّرون عنها بوحدة الوجود، وتارة يعبّرون بمسألة (بسيط الحقيقة كلّ الأشياء)، وتارة يعبّرون عنها بمسألة (تشكيك الوجود)، بحسب ما أفاده والدنا رحمه الله بأنّ العبارات مختلفة في ذلك، ولكن في لسان العرفان والعرفاء، يُعبَّر عن هذه المسألة بالتوحيد الأفعاليّ والتوحيد الصفاتيّ والتوحيد في الأسماء.
(وحدة الوجود) على ألسنة الفلاسفة والحكماء الإلهيّين
لتبيين هذه المسألة ملخّصًا، [بناء على ما ورد على] الألسنة المتعارفة وفي مؤلّفات أهل الحكمة والفلسفة، [نقول:] إنّ مسألة وحدة الوجود تقول أنّ كلّ موجودات العالَم، سواء في عالَم المادّة، مِن جماد ونبات وحيوان وأجرام سماويّة وأرضيّة، أو في عوالم الغيب السبعة – الّتي ذكرتها لكم في الأيّام الماضية، المِثال وما فوقها كعالَم اللاهوت – مِن مجرّدات كالملائكة والعقول؛ فإنّ كلّ هذه الموجودات المجرّدة وغير المجرّد كالمادّيات، هي نوعٌ واحد وحقيقةٌ واحدة مِنَ الوجود.
فرغم أنّنا نرى أشكالًا مختلفة، إلّا أنّ حقيقتها واحدة؛ ومثال ذلك مِن باب التقريب، هو أنّكم ترون [ضوء] الشمس [يتلوّن] بألوان الزجاجات المختلفة [عندما ينعكس عليها]، كما لو كان هناك زجاجٌ ملوّنٌ بالأحمر وآخر بالأصفر وآخر بالأبيض وآخر بالأسود وغير ذلك، إلّا أنّ الشمسَ واحدةٌ والضوءَ واحدٌ، فهذه الشمس عندما تنعكس على هذه الزجاجات، سترون ألوانًا مختلفة باختلاف [ألوان] الزجاجات، ولكن حقيقة الضوء حقيقةٌ واحدة ...
- لم نعثر على صاحب هذا البيت، ولكن استُشهد به في كتب قديمة ترجع إلى القرن الخامس للهجرة. (م)
