
العقلانية في السلوك، وتشريع الزواج المتعدد، و...
محاضرات جبل عامل - أسئلة وأجوبة الأخوات - ج 3
العقلانية في السلوك، وتشريع الزواج المتعدد، و...
3لهذا، فإنّ الأمر المهمّ في الحياة في هذه الدنيا أن يُهيّئ الإنسان نفسه ويَخضع للحقّ، فإذا رأى الحقّ لا يتسامح ولا يُجامل ولا يتمهّل، بل يقوم بالحقّ على أشدّ وجه دون أن يبالي بسائر الأفراد، سواء قاموا بتكاليفهم وواجباتهم أم لا، قُل الحقّ ولو على نفسك۱، قل الله ثُمّ ذرهم في طغيانهم يعمهون٢. وكثيرًا ما كان السيّد الوالد (رحمه الله ورضوان الله عليه) يقرأ هذه الآية {قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي [خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}٣.
فالله هو المآل والله هو المبدأ والله هو المقصد والمنتهى، يعني أنّه لا بدّ مِنَ التمسّك بأحكام الله ثمّ ذرهم في طغيانهم يعمهون، أي ذَر كلّ الناس يلعبون ويعيشون في هذه الدنيا، فإذا ارتحلوا سيعرفون في عالَم القيامة [حقيقة] ما فعلوه في الدنيا،{يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ}، ولذلك نقول في المجالس أنّ مسألة السلوك هي مسألة عقلائيّة؛ مثلًا كيف يتصرّف العاقل إذا أعطيته مالًا أو إذا كان عنده مال؟ أيكون عاقلًا إذا وضعه في الشارع ليسرقه السارق، أو رماه في البحر دون أن يستفيد منه، أو أعطاه للصبية ليلعبوا به؟! لا بل يكون مجنونًا [إن فعل ذلك] .. فالعاقل إن أُعطي مالًا يذهب إلى الخبراء ويستشيرهم فيما يفعله بالمال وفيما يكون الأهمّ والأكثر ربحًا له، هذا هو العاقل، نعم ..
فالله تعالى أعطانا نصيبًا مِنَ الحياة في هذه الدنيا، إمّا خمسين سنة أو ستّين أو ثلاثين، والباقي الآن مِن أعمارنا تلك عشر سنوات أو خمس سنوات أو ثلاثون سنة، على حسب الأعمار [المقدّرة لنا] في الأحوال العاديّة، غير ما يقع دفعة وصدفة كالأحداث الّتي يتّفق حدوثها .. نحن لم نكن نتوقع أبدًا وفاة والدنا [السيّد العلّامة]، وقبل وفاته بثلاث سنوات، قال لي في إحدى الليالي عندما كنتُ عنده في المستشفى: أنا لن أبقى في هذه الدنيا ولن أمكث فيها طويلًا. ولكن قال لي: لا بدّ أن تُسرِّع في تأليفاتك وتؤلّف. ولم يقل لي شيئًا [آخر]، وكنتُ أظنّ أنّه سيعيش في الدنيا مثلًا كحدّ أقلّ خمسة عشرة سنة، ولم نكن أبدًا نتوقّع أن يرتحل بعد ثلاث سنوات، ولكنّ الموت لا يُخبر أحدًا أبدًا، قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يكون شيء أيقن مِنَ الموت والناس يشكّون به. فكلّنا يعرف أنّ الموت حقّ، ولكنّنا نشكّ فيه. وقد أعطى الله تعالى لكلّ شخص نصيبًا مِن هذه الدنيا، ولم يُعيّن [مدّتها]، فلهذا لا بدّ أن ننتهز الفرصة ونغتنمها في كلّ لحظة، لا اليوم [فقط] وبعد غد وغير ذلك، لا، بل في كلّ يوم وكلّ ساعة وكلّ دقيقة. قال الإمام الحسن المجتبى عليه السلام لجنادة «... استعدّ لسفرك وحصّل زادك قبل حلول أجلك ... واعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنّك تموت غدًا»٤ هذا كلام عجيب مِنَ الإمام عليه السلام .. فإذا رأى الإنسان أنّ هذا الأمر سيفوته فهل يمكن أن يتكاسل ويتسامح حينئذ؟ لا أبدًا، بل سيقوم مِن ساعته، فلا يأكل ولا يشرب شيئًا حتّى يُنجز هذا الواجب، لأنّ الفرصة ستفوته وتذهب. ولكن إذا رأى أنّ ذلك واقع لا محالة فمِنَ الممكن أن لا يتعجّل وأن يتسامح.
- بحار الأنوار، الشيخ المجلسيّ، ج ٦٦، ص ٣٦۸: جاء رجل إلى الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام فقال له: يا بن رسول الله أخبرني بمكارم الأخلاق، فقال: العفو عمّن ظلمك، وصلة مَن قطعك، وإعطاء مَن حرمك، وقول الحق ولو على نفسك. (م)
- قال تعالى قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ سورة الأنعام جزء مِنَ الآية ٩۱، وقال وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ سورة الأنعام جزء مِنَ الآية ۱۱۰، وقال وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ سورة الأعراف جزء مِنَ الآية ۱۸٦. (م)
- سورة الأنعام (٦)، جزء مِنَ الآية ٩۱.
- بحار الأنوار، الشيخ المجلسيّ، ج ٤٤، ص ۱٣۸.
