الفلسفة، والفرق بين الصوفية والعرفان، و...
5وكذلك الشيخ محيي الدين بن عربي؛ فأكثر العلماء يعدُّونه واقعًا رئيس الصوفيّة، وله كلمات عجيبة، وقد أحاط بالمطالب الغيبيّة وبالمكاشفات الأسمائيّة والجلاليّة، ولكن أولئك القوم لم يفهوا مِن كلامه شيئًا، ومع ذلك فإنّ الكثير مِنَ العلماء الشامخين والعرفاء كالفيلسوف المعروف والحكيم المتألّه فخر الدين الشيرازيّ في مجلدات كتاب (الأسفار)، والقاضي نور الله الشوشتريّ في كتابه الثمين (مجالس المؤمنين)، والشيخ محمّد صالح الخلخاليّ في كتابه (مناقب محيي الدين بن عربي)، جميعهم يقولون بتشيّعه ويبيِّنون ذلك بلا إشكال۱.
ولكن كما أنّ تعلُّم ودراسة الكتب الفقهيّة تحتاج إلى معرفة وتمرين وتتلمذ عند أستاذ كامل - فمَن لم يخض في هذا العلم لا يُحصّل اليقين – كذلك الأمر في مسألة العرفان والمسائل الغامضة والعجيبة، فعدم أهليّة الشخص يوجب الاضطراب والتشويش طبعًا. ومِن حيث أنّ موضوعهم الأصليّ هو حقيقة الوجود وفائدة وحدة الوجود، وبما أنّ بعض العلماء لا يفهمون هذه المسألة بدقّتها وظرافتها، ولأنّها مسألة صعبة، وتحتاج إلى رياضات شرعيّة، ومشاهدتها تحتاج إلى تمرين النفوس والمواظبة على الأذكار وقيام الليالي والأسحار والمراقبة التامّة حتّى يبلغ الإنسان هذه المرتبة، فلمّا لم يقوموا لهذه المهمّة ولم ينهجوا هذه الطريقة، لم يفهموا مِن تلك المسائل شيئًا، فرفضوا [محيي الدين بن عربي] واتّهموه بالتصوّف والصوفيّة وأنّه خارج عن الشرع [المقدّس].
على هذا، لا يوجد فرق أبدًا بين التصوّف والعرفان بلحاظ المعنى وبلحاظ الواقع؛ يعني كلّ ما يقوله العرفاء المعروفون يقوله الصوفيّة الّذين هم مِن أهل المعرفة واقعًا. ولكن بلحاظ الاصطلاح فإنّ الصوفيّة تطلق على أفراد لهم ظاهر خاصّ يختلف عن سائر الأفراد. وفي الحقيقة فإنّ كلّ مَن يرفض العرفان يرفض الصوفيّة، وكلّ مَن يرفض الصوفيّة يرفض العرفاء والعرفان.
وقد قلتُ لحضراتكم في الأيّام الماضية أنّه يوجد بعض الأشخاص يتلبّسون بهذا اللباس ويستفيدون استفادةً سيّئة مِن هذا الظاهر المُفتِن، وهم بسبب المنحرفين وبسبب انحراف الأذهان، يعدُّون أنفسهم مِنَ الصوفيّة وينعزلون عن الناس، فهؤلاء ملعونون على لسان الأئمّة عليهم السلام، ونحن نلعنهم كما نلعن كلّ عالِم فاسق فاجر مُحرِّف للدين ويحرف الأفراد عن الشريعة الإسلاميّة.
- للتفصيل حول الموضوع المذكور والاطّلاع على الشواهد في الكتب المذكورة أعلاه، راجع كتاب (الروح المجرّد) للعلّامة السيّد محمّد حسين الطهرانيّ (قُدّس سرّه)، تحت عنوان (السفر الرابع للحقير إلى العتبات المقدّسة سنة ۱٣۸۷ هجريّة قمريّة) ص ٣۱٥. (م)

