حقيقة السلوك، والعلاقة الباطنية بين التلميذ والأستاذ، و...
8الإسلام هو إخراج الناس مِنَ الجهل، السير والسلوك هو إخراج الفرد مِنَ الجهل والأهواء، هو إخراجٌ للإنسان مِنَ تلك الأمور الّتي يعيش فيها الناس؛ مثلًا عندما تذهبون إلى جلسة فيها خمسون نفرًا أو عشرون نفرًا وتستمعون إلى المطالب والأهوال الّتي يتحدّثون عنها: في هذا الشارع اتّفق وقوع هذه الحادثة، وفي ذلك الشارع اتّفق وقوع تلك الحادثة، قيمة البنزين قد ارتفعت وقيمة النفط قد انخفضت وقيمة الدولار مثلًا قد ارتفعت، وفي هذه المعركة استشهد مثلًا خمسون جنديًّا، في هذه النقطة مِنَ العالَم وقع زلزال.. فما هذه الأمور!! فإذا عاشرناهم وجالسناهم ساعتين ثمّ رحلنا عنهم فلن يُضاف إلى علمنا شيء أبدًا أبدًا غير تلك الخزعبلات والمطالب غير الجيّدة. وجميع الأفراد يعيشون في هذه الحالة وبين هذه المسائل، وتمضي وتنقضي أعمارهم في هذه المطالب، هل هؤلاء الأفراد والناس – والحال هذه – مِنَ العقلاء واقعًا؟!
سمعتُ مِنَ السيّد الوالد رضوان الله عليه أنّ بعض العلماء كان يقدح بالسيّد محمّد حسين العلّامة الطباطبائيّ أنّه حين كان في النجف الأشرف يدرس العلوم العلميّة، كان يخرج مِنَ منزله إلى أن يصل إلى الحرم دون أن ينظر إلى شيء، فكان يركّز نظره إلى الأرض فقط ولا ينظر إلى الناس، فلماذا يفعل ذلك، بل لا بدّ للإنسان [بحسب ادّعائهم] أن يمشي وينظر إلى الدكاكين والناس ويسلّم عليهم. وكان السيّد الوالد يقول: إذا كان الإنسان ذا حاجة وصاحب بليّة لا يجوز له أبدًا أبدًا أن يُشغل نفسه بتلك المسائل. سأمثّل لكم بمثال: إذا أردتم الذهاب في رحلة عبر المطار، وكنتم قد تأخّرتم ولديكم فرصة نصف ساعة فقط حتّى تصلوا إلى المطار، والمسافة مِنَ هنا إلى المطار مثلًا أربعةُ فراسخ، فهل ستذهبون إلى الدكاكين وتشاهدوا الألبسة المعروضة فيها؟! لا، أبدًا أبدًا، بل ستستعجلون وتأخذون سيارة أجرة وتسيرون بسرعة حتّى لا تفوتكم الطائرة. والإنسان يجب أن يكون في هذه الدنيا كذلك، [وهذا معنى ما كان يفعله] السيّد الطباطبائيّ عندما كان يوجّه نظره إلى الأرض ولا يلتفت إلى شيء، والحال أنّ ذاك العالِم كان يقدح فيه ويقول: لا، لماذا ذلك، بل لا بدّ للإنسان أن ينظر إلى السماء والأرض والدكاكين وجميع المارّة. [أقول:] هذا خطأ وغلط! وذاك العالِم لم يفهم مِنَ العرفان شيئًا، ولم يفهم مِن حقيقة المسائل شيئًا!! أمّا العلّامة الطباطبائيّ هو الّذي فهم وعرف هذه المسألة، هو الّذي عرف مصلحته وفهم أنّ أمامه حياة أبديّة فلا بدّ أن يهتمّ بتحصيل الزاد. ولكن الآخرون لم يفهموا [ذلك]، ولا فرق هنا بين الناس العاديّين وأصحاب العمائم، أي في هذه المسألة الجميع سواء الناس العاديّين أو المعمّمين والروحانيّين۱، نعم، هناك قِلَّة مِنَ العلماء أمثال السيّد الطباطبائيّ والسيّد الوالد وغيرهم كالسيّد هاشم الحدّاد يفهمون ذلك، واقعاً إذا أردنا أن نعدّ العقلاء فسنعدّ فقط مثل العلّامة الطباطبائيّ [والباقي] كلّهم مِنَ المجانين، واقعًا كلّهم مِنَ المجانين.
- لفظ (الروحانيّ) و (الروحانيّون) يُستعمل في اللغة الفارسيّة لكلّ معمّم ورجل دين. وهو المقصود في المقام. (م)

