حقيقة السلوك، والعلاقة الباطنية بين التلميذ والأستاذ، و...
3معنى كون أفكارنا وآرائنا مجازيّة
سؤال مِن أحد الحضور: ماذا يعني أنّ [أفكارنا مجازيّة]؟
جواب سماحة السيّد: يعني نحن لسنا مطّلعين أبدًا على المسائل الحقيقيّة وما وراء المادّة؛ نحن نفكّر الآن أنّ لله تعالى قدرة بخصوصيّة معيّنة ونتخيّل أن الله تعالى فوقنا أو فوق السماء وأنّه شخص عظيم له قدرة وحياة بشكل معيّن إلّا أنّها أقوى مِن حياتنا وقدرتنا، غير أنّ الأمور خلاف ذلك والحقيقة غير ذلك، فهناك مرتبة إن وصل إليها الإنسان سيرى أنّ لا قدرة في العالَم إلّا قدرة واحدة وهي قدرة الله تعالى.
عندما آخذ هذا الصحن الآن، فأنا أرى أنّ هذه القدرة الّتي بيدي هي قدرتي وليست قدرة غيري، وكذلك أنتم فعندكم قدرة على أخذ الأشياء ولا تعتبرون أنّ القدرة الّتي في جسدكم هي عين القدرة الموجودة في الجسم الآخر، هذا صحيح، وكذلك القدرة في كلّ فرد جالس في هذه الغرفة، فالقدرات [متعدّدة] بعدد الأفراد الموجودين في هذه الغرفة، فالقدرة الموجودة في جسمكم غير القدرة الموجودة في الآخر وهكذا، وكذلك الحياة الّتي تعيش بها هي غير الحياة الّتي أعيش أنا بها، وكذلك الأمر في الأمور الأخرى، كالفكر الّذي في وجودكم غير الفِكر الّذي في غيركم، وكذلك الصفات والغرائز الّتي في شخص هي مغايرة للغرائز الموجودة في شخص آخر، وهذا مِن أوضح المطالب. ونحن نفكّر في الله تعالى بهذا الشكل، بأنّ قدرته غير قدرتنا وإرادته غير إرادتنا ومشيئته غير مشيئتنا وحياته غير حياتنا وأنّنا نعيش في الدنيا سبعين أو ستين سنة ونموت والله تعالى يعيش بلا موت، هذا والحال أنّنا لا نفهم أنّ هذه الحياة الّتي نحن نعيشها هي نفس حياة الله تعالى، ولهذا قلتُ أنّ تلك المسائل الّتي [نفكّر فيها] كلّها مجازيّة.
فالحقيقة هي غير ما نفكّر به، بل الحقيقة وراء ذلك؛ فنحن لا نفهم أنّ في العالَم إرادة واحدة هي إرادة الله تعالى، [ولن نفهم ذلك] حتّى نصل إلى تلك المرتبة الغيبيّة وهي المرتبة الّتي نفهم فيها هذا المعنى ونحسّه ونجده في أنفسنا، والعرفان هو هذا، العرفان هو كشف للمسائل المجهولة وكشف لستار الحقيقة، هذا هو العرفان؛ العرفان هو انكشاف الحقيقة الّتي هي الله تعالى وحسب. والعارف ينظر إلى هذه الأشياء، ولكن بنظرة آلية لا بنظرة استقلاليّة، فالعارف يرى أنّ كلّ ما في العالَم مِن القدرة والإرادة والتأثير والأسباب والمسبَّبات لها منشأ واحد، وهذا المنشأ هو الله تعالى، ولكنّ الأفراد لا يفهمون ذلك أبدًا، لأنّهم لو فهموا ذلك لَمَا عملوا ما يعملون ولا فعلوا ما يفعلون.

