حقيقة السلوك، والعلاقة الباطنية بين التلميذ والأستاذ، و...
2أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أشرف الأنبياء والمرسلين
وخاتم النبيّين أبي القاسم محمّد
وعلى آله الطيّبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
تعريف مُبَسَّط للعرفان والسير والسلوك
سؤال مِنَ الحضور: (...)۱ مشكلة البعض أنّهم لا يفهمون العرفان جيّدًا وطريق السير والسلوك كما يجب، يعني هناك بعض الأمور الغامضة فيها، فإذا تحبّون [أن توجّهوا] بعض النصائح فيما ترونه صالحًا للجميع إن شاء الله.
جواب سماحة السيّد:
سمعتُ مِنَ السيّد الوالد (قدّس الله روحه) أنّه سمع مِن أستاذه الشيخ محمّد جواد الأنصاريّ يقول: السير السلوك ينحصر في الأشكال الخمسة: الواجب والحرام، والمستحب، والمكروه، والمباح. وحقيقة السير والسلوك هي العبور عن الدنيا والشهوات والعبور عن النفسانيّة وهي انكشاف الحقائق. والحقيقة هي الله تعالى، وهناك آيات كثيرة في القرآن تحكي عن هذا المعنى {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}٢، يعني جميع الأمور الّتي نراها في هذا العالم مِنَ العوامل والمؤثّرات والأسباب، إذا نظرنا إليها بأنّها مستقلّة في التأثير فهذا باطلٌ؛ مثلًا إذا أفادنا شخص فائدة ما، أو قدّم لنا عملًا ما، ونظرنا إليه بأنّه هو المؤثّر في هذا العمل، فهذا شرك وباطل وهو مصداق قوله تعالى {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}. أو مثلًا إذا اعتبرنا أنّ هذا الدواء يؤثّر في الصحّة بدون إرادة ومشيئة الله تعالى، فيكون شِركًا. فإذا نظرنا إلى أيّ شيء في العالَم بأنّه المؤثّر التامّ والمستقلّ في التأثير فهذا هو الباطل. ونحن نرى أنّ آراء وأفكار جميع الأفراد هي كتلك الآراء والأفكار؛ يعني أنّهم لا يرون أبدًا أنّ الله تعالى هو المؤثّر الوحيد في جميع الأمور، وهذا عكس الحقيقة وعكس ما ألقاه علينا الإسلام والأولياء.
سبب نزول الشرائع هو إخراج الناس مِنَ المجاز إلى الحقيقة
وفي الحقيقة فإنّ الإسلام والشرائع [المُنزلة، أُنزلت] لهذا السبب؛ يعني أنّ الشرائع تفيد الإنسان بحقيقةٍ مغايرة لما نحن مُبتلين به، وفي الواقع فإنّ المسائل الحقيقيّة والنفس أمريّة هي غير ما نراها؛ كما لو شخصًا مثلًا يرى أنّ صحّته جيّدة، فإذا راجع الطبيب وعاينه وأرجعه إلى المراكز الصحيّة والطبيّة ينكشف حينئذ أن حاله خلاف ما كان يظنّ، بل هو مبتلى بجميع أنواع الأمراض والابتلاءات، فحال الإنسان في هذا العالم هو بهذا الشكل؛ فهو يرى أنّه ذو صحّة جيّدة وذو استقامة وأنّ ليس فيه مرض وليس عليلًا ولا مبتلى، ولكنّه في الحقيقة مريض، كما قال الله تعالى في القرآن الكريم في آية {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}٣، فهذا الغطاء الّذي هو غطاء الجهل هو حاجب لأعين جميع الناس عن رؤية الله تعالى، فيرون فقط أنفسهم والأسباب والعلل [الظاهريّة] ويرون أنّ كلّ شيء مؤثّر في هذا العالم سوى الله تعالى، مع أنّ الأمر خلاف ذلك، وجميع الآيات في القرآن تتحدّث عن هذا المعنى، وكذلك روايات الأئمّة عليهم السلام، بأنّهم رأوا ما لم نقدر على رؤيته ووصلوا إلى مرحلة ومرتبة لم نصل إليها؛ كالطفل الّذي لا يدري ما هي الكهرباء ونحن نخبره أنّها شيء عجيب وخطير، ولكنّه [قد] يصل إلى مرحلة يتعرّف فيها على حقيقة الكهرباء وكيفيّتها. أمّا نحن فلا نقدر أبدًا أن نعلم حقيقة الله تعالى وحقيقة هذا العالَم وجميع العوالم فوق هذا العالَم الماديّ، ولهذا السبب فإنّ الله تعالى أرسل الرُسل وأنزل الكُتب بلطفه وإحسانه وإنعام منه على العباد، وهذا هو السبب الوحيد لإنزال الكتب وبعْث الرُسل؛ هذا يعني إخراج الإنسان مِنَ الجهل والهاوية وإخراج الإنسان مِن عالَم المادّة والشهوة، وإدخاله في عالَم الرحمة والحقيقة حيث لا يرى إلّا الله ولا يسمع إلّا مِنَ الله ولا يلمس إلّا الله تعالى ولا يحسّ إلّا بالله تعالى، كما في الحديث القدسيّ المرويّ عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم «عبدي أطعني حتّى أجعلك مِثْلي (أو مَثَلي) أقول للشيء كن فيكون وتقول للشيء كن فيكون»٤ ورواية «لا يزال يتقرب إليّ عبدي المؤمن بالنوافل حتّى أكون سمعه الّذي يسمع به وبصره الّذي يبصر به ويده الّتي يبطش بها»٥؛ هذا يعني أنّ كلّ أفكار الإنسان تتبدّل وكلّ آراءه تتغيّر فتصير آراءً حقيقيّة، أمّا الآن فآراؤنا جميعًا – بدون فرق بيننا – مجازيّة، آراؤنا وأفكارنا كلّها مجازيّة..
- بداية الكلام غير مسجّل. (م)
- سورة الحجّ (٢٢)، جزء مِنَ الآية ٦٢. وجاء في سورة لقمان (٣۱)، في جزء مِنَ الآية ٣۰: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ. (م)
- سورة ق (٥۰)، الآية ٢٢.
- راجع الحديث وتخريجه في كتاب (أسرار الملكوت) لسماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ، ج٢، ص٦٩. (م)
- المصدر نفسه، مع اختلاف يسير. (م)

