المرأة بين التعلم والزواج وضرورة التوادّ بين الأرحام و...
4كما أنّ تكليف الأنبياء والأئمَّة عليهم السلام والأولياء هو التبليغ لا الضغط على النفس بالتكاليف ولا الاستفادة مِنَ الأمور غير العاديَّة في بعض المواقف، وفي زماننا فإنَّ هذه المسألة منحصرة بظهور الإمام الحجَّة ×، فحتَّى في زمن النبيِّ | والأئمَّة كانت تجري الأمور على ظاهرها، كالحروب مع الكفَّار، حتّى أنّ النبيِّ | كان يحضر في كثير منها ويواجه الكفَّار وتنزف جراحاته مِن ضرباتهم، وفي غزوة أُحد أُصيب النبيُّ برمح على ناصيته وجُرح وكُسِرتْ أسنانه، كما أنّ أمير المؤمنين × ضُرب تسعين ضربة على بدنه. فكلُّ ذلك امتحان مِنَ الله تعالى للمؤمنين، {حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ۱}، هذا هو الامتحان الإلهيّ، وبهذه الطريقة يتميَّز المؤمن عن الفاسق، والله تعالى يعطي للمؤمنين درجات.
أما إذا كان الشخص قادرًا [على الأمور الخارقة] فقام مِن أوَّل الأمر بالدُّعاء لله تعالى ليُهلك الكفَّار، فلن يكون [هناك أيُّ] امتحان للمؤمنين، ولن يكون للمؤمنين مراتب، وحينئذٍ يختلُّ نظام العالم، لأنَّ نظام العالم هو نظام الامتحان ونظام التَّربية (أي نظام تربية المؤمن والكافر)، فيجب على كلِّ شخص أن يقف على حدِّ مرتبته (أي مرتبة خلوص نيَّته وعمله واهتمامه بالتكاليف وأدائه للعمل).
نعم، نجد أنَّ الله يسمح في بعض الأحيان والظروف، للإمام والنَّبي | والأنبياء أن يستفيدوا مِن هذه القدرة، كما في غزوة خيبر حيث أنَّ أمير المؤمنين × خلع باب خيبر بنفسه – يقولون في التاريخ أن فتح هذا الباب كان يتطلّب أربعين رجلًا مِن الأبطال – وجعَله على رأسه ومضى جيش المسلمين مِن هذا الباب ووصلوا إلى الكفّار، وكان × يقول: ما قلعتُ باب خيبر بالقوَّة البشريَّة بل قلعته بالقوَّة الرَّحمانية٢. فهذا يحصل في موارد نادرة، وليس الأمر كذلك في أكثر الموارد، كما في كثير مِنَ الغزوات؛ كغزوة الخندق حيث ضرب ابنُ عبد ودٍّ رأسَ أمير المؤمنين ضربةً لم تصل إلى دماغه ولكنها شقّت رأسه وسال الدَّم على وجهه، ومِثْلُها ضربة عبد الرَّحمن ابن ملجم المراديِّ على رأس أمير المؤمنين الّتي استشهد منها.
هذا هو نظام العالم، فهو نظام العمل بالظّاهر ونظام الامتحان والاختيار والمِحن والمشاكل والصُّعوبات، وبهذا يُعرف المؤمن مِنَ الكافر، وبهذا يتربّى كلُّ واحد منهما. ولهذا فإنَّ استفادة العرفاء، في بعض الأحيان، مِن هذه العلوم والقدرات غير العاديَّة، لا يكون إلّا عن تفويض كامل مِنَ الله تعالى، فلا يتعدُّون ولا يتجاوزون الحدَّ. ولهذا نجد هؤلاء العملاء والكفَّار، كالّذي ذُكر في السؤال وغيره [المنتشرين] في بلدان كثيرة، بالرّغم مِن أنَّهم كفَّار ومعاندون وضدَّ الإسلام إلَّا أنَّ الله تعالى أعطاهم، {قُلِ اللَهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ٣}. نعم نحن لا نفهم المصلحة الّتي أوجدها الله تعالى وراء ذلك.. ألا يقدر الله تعالى أن يُنحّي هذا الشَّخص عن الحكومة؟! هو حتمًا يقدر، ولكن نرى أن الله تعالى يُبقي عليه، وما ذلك إلّا امتحانًا.

