ولاية أهل البيت، المراقبة والدقّة
5ففي الروايات، لا بدّ أن يكون الراوي شخصًا ضابطًا وعادلًا وموثوقًا، لماذا؟ لأنّه كثيرًا ما نرى أنّ الإنسان غير الموثوق يتخيّل غير [الكلام الصادر مِنَ المعصوم].
تحرّي الدقّة شرط أساسيّ في المسائل الاجتماعيّة والدينيّة وخاصّة السلوكيّة
في إحدى الجلسات كان السيّد الوالد يتكلّم عن موضوع ما، وكنتُ جالسًا خلف أحد الحاضرين – الّذي كان معروفًا ببصيرته ومهارته في الطبّ وفهمه العالي – فرأيته يقرّر كلام السيّد الوالد على ورق، وبالصدفة نظرت إلى كتابته فوجدته مُخطئًا فيما كتب، فالسيّد الوالد كان يقول شيئًا وهذا الشخص يكتب شيئًا آخر، كان السيّد الوالد يتكلّم عن هذا الشيء بهذا المعنى وهو يكتب عنه معنى آخر. ثمّ يذهب إلى منزله وينشر هذا الكتاب وهذه الكتابة ويرسلها إلى الأفراد والأصدقاء والرفقاء، فيحكي عن السيّد الوالد ما لم يقله. وبعد إتمام الجلسة صحّحت له كلّ الموارد المكتوبة الّتي وجدتُ فيه خطأً.
وكثيرًا ما كنّا نرى هذه الأمور؛ فكان السيّد الوالد يقول شيئًا، ثمّ ينقلون عنه شيئًا آخر، كان السيد الوالد يقول بالحرف: إذا أردتم أن تنقلوا شيئًا عني فيجب عليكم أن تنقلوه بنفس عباراتي بدون أي نقص وبدون أي إضافة. ولكن [عندما كان يُنقل عنه] كنّا نسمع شيئًا آخر أصلًا، بحيث لا تكون هناك علاقة بين الكلام المنقول عنه وبين كلامه. كيف [كان يحصل ذلك]؟! كلّ ذلك ناشئ مِنَ التخيّلات، فالشخص الناقل ليس له غرض وليس معاندًا، ولكنّه يبدِّل العبارة ويغيِّرها إلى عبارة أخرى وفق فهمه وتخيّلاته وتصوّراته، ممّا يوجِب مشاكل عجيبة، ولهذا يجب رعاية هذه المسألة بدقّة، وهي مِنَ المسائل الّتي تؤثر أثرًا عجيبًا في النفس وفي السلوك. كان السيّد الوالد يقول دائمًا: مَن لم يبالي بهذه المسائل الدقيقة لا يترقّى، وكلّ شخص لا ينظّم أفكاره ولا ينظّم آراءه [لا يترقّى]. ولكنّنا نرى أنّ المسائل السلوكيّة شيء آخر؛ كالصلاة، مثل صلاة النوافل وأداء صلاة الليل، والاشتغال بالأوراد، والاهتمام بالمسائل العباديّة. نعم هذه الأمور جيّدة ولازمة لكلّ إنسان، [وأن تكون] له علاقة خاصّة بهذه الأمور، وهذا ما كنّا نراه مِنَ الأولياء حتّى في أواخر عمرهم، فأنا كنتُ أرى منهم هذه الأمور؛ كقراءة السيّد الوالد للقرآن حتّى إلى آخر عمره. فالسيّد الوالد وكثير مِنَ الأولياء الّذين كنتُ أجالسهم وأعاشرهم، كنت أرى مِنهم هذه الأمور يوميًّا، فلم يكن أحد منهم يترك قراءة القرآن أو الأوراد والأذكار، لم يتركوها. نعم، هذه الأمور جيّدة، ولكن الأمر الأهمّ مِن ذلك هي المراقبة؛ فمسألة المراقبة هي الّتي كان دائماً السيّد الوالد وجميع الأساتذة وجميع العلماء يوصون تلامذتهم بها. [ومِنَ المراقبة] تنظيم الأمور وتدبيرها بدقّة ولطافة شديدة بحيث لا يفوته شيء، وهذا يؤثّر أثرًا إيجابيًّا عجيبًا في النفس.كان يقول مثلًا: مَن لم ينظّم اشتغاله في السوق وفي التجارة ومعاملاته مع الأفراد، فلن تؤثّر الأوراد فيه، بل سيكون أثرها سلبيًّا عليه. ومَن لم يصحّح أفعاله مع أصدقائه وجيرانه وأهله، فلن تؤثّر هذه الأوراد إيجابيًّا. ومَن لم يصحّح ولم يراقب كيفيّة تعامله مع الأشخاص، وكيفيّة ردوده، وفعاله مع أصدقائه وزملائه ومع أهله وخصوصًا الأقرباء منهم، وبالأخصّ الوالد والوالدة، فلن تؤثّر أصلًا تلك العبادة فيه. فمَن لم يدقّق في أموره الخاصّة وفي المسائل السلوكيّة لا يمكنه [أن يتقدّم]، لماذا؟ لأنّ المسائل السلوكيّة هي المسائل الّتي تكون وسيلة وواسطة تبلّغنا المراتب. وعلى الإنسان أن يعبر المراحل ليبلغ المراتب، وبدون التقيّد بهذه الأمور، ورعايتها والدقّة فيها، لن يصل الإنسان. وبعد مدّة عندما يكون في مرحلة خاصّة سيتبيّن أنّ مسيره كان مسيرًا خاطئًا.

