ولاية أهل البيت، المراقبة والدقّة
3الولاية التكوينيّة بعيدة المنال عن عقول العوامّ
في السفر الماضي قررتُ كلامًا حول الولاية التكوينيّة وبيّنتُ – ببياني القاصر – أمورًا في مسألة الولاية التكوينيّة، ككيفيّه ارتباط الخالق والمخلوق وأنّ هذا الارتباط لا بدّ أن يكون بوسائط، وهذه المسألة ثابتة بالبراهين العقليّة والحجّة الفلسفيّة والأدلّة النقليّة، فتجدون في الروايات [ما مفاده] أنّهم وسائط بين الله تعالى وبين الخلق۱، [وقوله عليه السلام]: نزّهونا عن الربوبيّة وقولوا فينا ما شئتم٢. وتجدون في روايات النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أوّل ما خلق الله، نور نبيّك يا جابر٣. وهذه الروايات مؤكّدة في المقام. وعن الإمام الرضا عليه السلام روايات كثيرة وردت في كتاب (عيون أخبار الرضا)، وكذلك روايات عن الإمام الحسن العسكريّ، وروايات عن صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف؛ في أنّ بقاء الدنيا متوقف على وجود الإمام عليه السلام ووجود الحجّة٤، وكذلك روايات عن الإمام الباقر عليه السلام، كلّها دالّة على الولاية التكوينيّة للإمام عليه السلام، وأنّهم الواسطة بين الله تعالى وبين الخلق.
إنّ الامام عليه السلام وموقعيّته لم يتبيّنا لنا حتّى الآن، وكلّ مَن يتكلّم في هذه المسألة إنمّا يتكلّم عن فكر قاصر وعلم محدود ومعرفة بسيطة بالإمام عليه السلام، وهؤلاء الأفراد يظنون أنّ وجود الإمام عليه السلام هو كوجودهم، وأنّ نفسيّته كنفسيّاتهم وتوقّعاتهم وأمانيهم وآمالهم وأفكارهم المحدودة، فلا يأتي في خواطرهم أصلًا أن للإمام عليه السلام مرتبة خارجة عن عقولنا!
[ورد] أنّ الامام الرضا عليه السلام كان يمشي في المدينة [المنوّرة]، أو لعلّه في غير مدينة، وذلك في زمن المأمون، فرأى جماعة يتحدّثون حول معرفة الإمام وكيفيّة عروجه واتصاله، فوقف الإمام عليه السلام أمام تلك الجماعة وخاطبهم معاتبًا بعبارات عجيبة. والمفهوم مِنَ هذه الرواية أن الإمام عليه السلام أراد أن يقول: أنتم أصلًا لا تفهمون حقيقة الإمام عليه السلام، ولا يمكن أن تُدركها أوهامكم وأوهام عقولكم. يعني أنّ إدراك عقول الناس والأفراد وعقول العوامّ لمسألة الإمامة هو وهم.. إنّ المعرفة وكيفيّة التفكير والإدراك مرتّبة في مراتب؛ مثلًا [إحدى هذه المراتب مرتبة فكر الصبيّ]، فتقول هذا فكره فكر صبيّ، وقد وردت روايات في أنّ الصبيّ إذا فعل شيئًا لا يُكثرث بفعله ولا يُحاسب عليه لأنّ الصبيّ صغير، وفي الروايات أنّ عمد الصبيّ سهو٥، يعني إنّ فعَل الصبيّ شيئًا عن عمد فهذا يُعدُّ سهوًا، لأنّ هذا هو حدود فكره لا يتخطّاه، ولذا لا يُكثرث لفعله، والله تعالى لا يؤاخذه على ذلك ولا يعاقبه. وهذه هي الحيثيّة المهمّة في حقيقة التكليف وحقيقة العقاب المترتّب على التكليف.
- ) حول هذا الموضوع يمكنكم مراجعة كتاب بحار الانوار، للشيخ المجلسيّ، ج ٢٣، ابتداء مِنَ الصفحة ٩٩.
- ) أسرار الملكوت، السيّد محمّد محسن الطهرانيّ، ج٢، ص۱٣٤.
- ) بحار الانوار، الشيخ المجلسي، ج۱٥، ص٢٦، رقم ٤٣: وعن جابر بن عبد الله قال : قلت لرسول الله صلّى الله عليه وآله: أوّل شئ خلق الله تعالى ما هو ؟ فقال: نور نبيّك يا جابر، خلقه الله ثمّ خلق منه كلّ خير.
- ) بحار الأنوار، الشيخ المجلسيّ، طـ التراث، ج ٢٣، ص ٣۷؛ ج٥۱، ص۱۱٣؛ الكافي، للشيخ الكلينيّ، طـ الإسلاميّة، ج۱، ص۱۷٩.
- ) تهذيب الأحكام، للشيخ الطوسيّ، ج۱۰، ص٢٣٣، ح ٩٢۰؛ وسائل الشيعة، للحرّ العامليّ، طـ الإسلاميّة، ج۱٩، ص ٣۰۷: عمد الصبيّ وخطأه واحد.

