
الحجّ و آثاره الملكوتيّة - الجلسة الرابعة
وهي محاضرة ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدس سره، أمام بعض من أراد التشرف بحج بيت الله الحرام في سنة 1426 هجرية وتناول فيها ضرورة الاهتمام بيوم عرفة، وعدم الاشتغال بالأمور الدنيوية هناك، ووجوب التواضع أمام الحجاج وأن لا يحسب الإنسان لنفسه حساباً، وضرورة الالتفات إلى الله وعدم الالتفات إلى غيره، وأشار إلى ضرورة خروج الحاج عن الاعتبارات المحيطة به، لافتاً إلى سهولة الحج الآن قياساً للأزمنة السابقة، وضرورة اغتنام الفرصة في التوفيق لزيارة بيت الله، وختم بالإجابة على بعض الأسئلة.
الحجّ و آثاره الملكوتيّة - الجلسة الرابعة
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
عندما أخبرت أنّ لبعض الإخوان رغبة في أن يكون هناك لقاء حول موضوع الحج فإنّي سررت بذلك،وعلى كلّ حال فهذا مجلس يغتنم وزيارة زوّار بيت الله تستحقّ أن يبذل الإنسان وقته في سبيلها، وزيارة الناس هي فرصة سعيدة بالنسبة للحقير، إلاّ أنّي ذكرت لفضيلة الشيخ حائري أنّ المطالب التي ينبغي أن تذكر قد ذكرت للإخوان، ولكن إن كان هناك سؤال حول الحجّ سواء من حيث جوانبه المعنويّة والباطنيّة أو الشرعيّة فالحقير في جاهزللإجابة عنها بما يقتضيه نظري القاصر، وعلى أساس ما نتذكره من ذلك النهجالذي رأيناه لدى الأولياء العظام. ويبدو أنّ الأسئلة الموجودة بين أيدينا تتعلّق بأحكام الحجّ.
وبداية وكمقدّمة للورود في الأحكام أودّ أن ألفت انتباهكم إلى ضرورة أن نغتنم فرصة التوفيق إلى زيارة بيت الله، فمسألة زيارة بيت الله وقبله أو بعده زيارة المعصومين في المدينة هي موهبة إلهيّة يختصّ بها الله تعالى بعض عباده، وكم هو مهمّ أن نلتفت إلى أنّ الله تعالى شاء أن يوقظنا بمقدار ما، وأن يخرجنا إلى حدّ ما من التوهّمات والأفكار الاعتباريّة، وأن يأخذنا ولو لمرّة إلى أماكن أخرى، لنرى أنّ هناك أشياء أخرى وليست الحياة هي فقط ما نتصوّره نحن عنها من اقتصارها على الخروج صباحاً إلى العمل والعودة عند الظهر للأنس بالأهل والعيال والشركاء والأصدقاء وقضاء الحياة على ذلك النحو، إلىجانب أداء الصلاة والصيام كشيء من أدوارها، لا فالمسألة ليست تقتصر على ذلك! بل هناك أشياء أخَر.. هناك عوالم أخرى.. هناك حقائق أخرى يريد الله تعالى أن يبلّغنا إدراكها من خلال هذا التغيير والتحوّل، لأنّا إن بقينا على حالنا لما أمكن أن نفهم منها شيئاً، ففي كلّ يوم نخرج إلى مقرّ عملنا من متجر أو مصنع أو مكتب أو مؤسسة وكلّ ما يجري من حولنا هي مسائل تعزّز فينا حالة الغفلة والنسيان،وترمي بنا بعيداً عن تلك المسألة الحقيقيّة، فمن منّا يمكنه الالتفات إلى تلك الحقيقة مع انشغاله بهذه المشاغل؟ ومن الذي يمكنه حمل هذين الحملين في يد واحدة؟ ومن يمكنه أن يجمع بين حال الوحدة والأنس وحال الانشغال بتلك الأمور؟ أين يوجد مثل هذا الإنسان؟! لذا فإنّ الله جعل لنا طريقاً لنخرج به أنفسنا عمّا أنسناه، فيكون ذلك الانفصال الظاهريّ مقدّمة للتغيير وإجراء التحوّلات، ولنخرج من حياتنا المعتادة وندخل في حال جديدة.. ندخل في ذلك الجوّ الذي ورد فيه أنبياء الله.وهذا النحو من الأوضاع والتسهيلات ومن وسائل العيش ومن العادات وأنحاء الضيافة المتوفّرة في هذا الزمان لم تكن فيما مضى من الزمان، فلو رجعنا إلى ثلاثمائة أو مائتي عام لماوجدنا شيئاً من وسائل الراحة متوفّراً، تذكّروا حرارة مكّة ذات الدرجات الستين ومع ذلك لم تكن لتجد جهاز تكييف بسيط، تذكّروا الأمطار والرياح التي كانت ومع ذلك لم يكن وسائل نقلمما نعهد الآن، فلم يكونوا يقطعون المسافة بين مكّة والمدينة بالسيارة بل كانوا يجتازونها على الحمار أو الجمل أو سيراً على الأقدام، الآن تغيّرت الوسائل، وصارت بهذه السهولة، كلّ مصاعب الحجّ الآن تنحصر في تلك الأيّام الثلاثة التي يقضيها في عرفات والمشعر ومنى، ومع ذلك تتعالى منّا الصيحات والآهات أن ماذا حدث بنا؟! وماذا أصابنا؟! وعلى أيّة حال صرنا، والحال أنّ عرفات لم تكن كما هي الآن حيث لم يكن فيها أشجار ولا ماء ولا تنظيم، وكذا المشعر وكذا منى، نحن علينا أنّ نفكّر في هذه المسألة، وهي أنّ الله جاء بنا إلى مكان كان يأتي إليه الأنبياء مع ما هم عليه من المراتب، ومع ما هم عليه من المعرفة والدرجة، ومع ذلك كانوا يأتون إلى هذه الأماكن، ومع ذلك كانوا يأتون ويطوفون، الإمام الحسن عليه السلام حجّ خمساً وعشرين حجّة ماشياً في معظمها، فقد كان يمشي عليه السلام من المدينة إلى مكّة مع أنّ المركب يمشي أمامه، فما هو الشعور الذي يشعر به الإمام؟ ولماذا يعيش هذه الحالات؟ الإمام السجّاد عليه السلام كان يذهب ماشياً إلى مكّة، موسى بن جعفر كان يقصد مكّة ماشياً، وكذا الإمام الرضا عليه السلام وسائر الأئمة وحتى النبيّ صلى الله عليه وآله مع أنّه كان يقول بما أنّ أهل مكّة أخرجوني منها فلا يمكنني أن أتخذ فيها مسكناً ولكن لا يمكنني أن أنسلخ عن الكعبة، فكم مرّة حجّ النبيّ بعد هجرته إلى المدينة! فقد حجّ مرّات عديدة وكان آخرها حجّة الوداع التي أمر فيها بنصب أمير المؤمنين في منصب الولاية. جيّد! الآن وفّقنا الله تعالى أن نتشرّف بزيارة مكان كهذا، فأول ما ينبغي الاهتمام به هو أنّ نحرّر فكرنا من الارتباط بهذا المحيط الذي نحن فيه، وكلّما كان خروجنا أشدّ كان ربحنا أكثر، وإلا فلو قمنا بالاتصالات الهاتفية صباحاً وعصراً ثمّ مساءً ثمّ صباحاً فهذا يؤدّي إلى خروجنا عن الحالات التي ينبغ أن نكون عليها، أنا لا أقول أنّ على الإنسان أن ينقطع عن أهله، لا،فلا مانع من الاتصال، فإنّه يوجب سرور الأهل وانبساط أساريرهم، غير أنّ الفكر لا بدّ أن يكون حراً، فالله لا يحبّ من زائر بيته أن يكون مشغول الفكر بالتعلّقات، وأن يستحضرها معه ويطوف برفقتها، عندما نخرج من المنزل ينبغي أن نقول: لقد تخلّينا عن كلّ ما لدينا، لقد انفصلنا عن كلّ ما يرتبط بنا، ولباس الإحرام يعبّر عن هذه الحالة، فليس لباس الإحرام مجرّد تبديل للثياب بهذا اللباس، كان بإمكان الله أن يقول: يمكنكم أن تأتوا بهذه الثياب المعتادة من القميص والسروال، أو العباءة والجبّة والمهمّ هو النيّة، لا بل مراد الله تعالى أن نأتي منتصرين واقعاً.. وأن ننفصل واقعاً.. أن نرمي بثيابنا جانباً.. هذه الثياب لا تفيد في هذا المكان، ولو كان يمكن للإنسان أن يلبّي عارياً لكان هذا هو الإحرام الذي يقبله الله، نفس هذا الإحرام هو الذي يقبل، ولكن هذا لا يمكن، ولذا فالله هنا نزع كلّ التعلّقات، على الرجل أن يلبس ثوبي الإحرام، أما المرأة فلباس إحرامها يختلف، جمال المرأة وزينتها في وجهها، ويجب أن يبقى هذا الوجه مكشوفاً ولا يجوز ستره في الإحرام، بعض المتزمّتات المدّعيات للتديّن تذهب إلى ذلك المكان وتغطّي وجهها، لا فهذا اشتباه وهذا عمل باطل، المرأة يجب أن يكون وجهها بادياً، ويحرم على الرجل أن ينظر، وبعض النساء تضع شيئاً أمام وجهها بحيث لا يمكن تشخيص وجهها، وهذا أيضاً باطل، لا مجال هنا للتزمّت، وعلى الإنسان أن يختار الدين الذي اختاره الله له، وينبغي أن لا نكون ملوكيين أكثر من الملك، هو أراد أن تكشف المرأة وجهها، وعلى الرجل أن لا ينظر وإذا نظر ارتكب محرّماً، نعم يمكن للمرأة أن تدير بوجهها أو تطأطئ رأسها إذا شعرت أنّ أحداً ينظر إليها، أما أن تغطّي وجهها فليس صحيحاً، والخلاصة أنّ الله هنا يقول لا تخترع ديناً من عند نفسك، الدين هو ما أمرتك به فالتزم به. هناك من حرّم الطواف المستحبّ وقد قرأت ذلك في بعض الرسائل العمليّة، فبما أنّ في الطواف تماساً بين المرأة والرجل وهو حرام فالطواف المستحبّ باطل وينبغي الاكتفاء بالطواف الواجب. لا فهذه الفتوى باطلة، ولا أصل شرعيّ لها وهي من المخترعات، هناك يجب على الإنسان أن يطوف، ولو كان الطواف حراماً فلا يختلف الأمر بين الطواف الواجب والمحرّم، ينبغي أن نطوف الطواف المستحبّ ألف مرّة.. عشرة آلاف مرّة.. مائة ألف مرّة، إن حصل تماس بين الرجل والمرأة فلا إشكال وإن لم يحصل فهو المطلوب، على الإنسان أن يحتاط قدر الإمكان فلا يجعل نفسه في معرض التماس، والقول بأنّ المرأة وحدها هي التي ينبغي أن تحتاط ليس صحيحاً فلا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، فكما أنّ الاختلاط محرّم على المرأة فهو محرّم على الرجل أيضاً، بلا أيّ اختلاف، من المسائل التي تحدّث عنها المرحوم العلاّمة الفصل بين الرجال والنساء في حرم الإمام الرضا عليه السلام، وقال أنّ هذا العمل هو اشتباه، ينبغي أن يطوف الناس حول حرم الإمام الرضا سواء حصل اختلاط أم لم يحصل، ينبغي أن لا يكون هناك التفات إلى هذه المسائل، لا أن يقسم الحرم بنحو يمنع عن الطواف، هل التفتّم؟ من الذي يدرك حقيقة ذلك؟ إنّه وليّ الله الذي يدرك ما في هذه البقعة، إن كان هنا وجود للشيطان فله وجود كذلك في المسجد الحرام، فهؤلاء السرّاق الذين يسلبون الناس هم أتباع من؟ إنّهم أتباع الشيطان، تلك النظرة التي يمكن أن تقع على المرأة الأجنبيّة هي من الشيطان، فلا تقل بما أنّي في حرم الإمام الرضا فليس هنا شيطان، لا في الشيطان يأتي حتّى إلى حرم الإمام الرضا ويعلن وجوده بشكل رسمي، وكذلك عند الكعبة وفي المسجد الحرام وفي مسجد النبي صلى الله عليه وآله، يأتي الشيطان ويشرع بالصلاة والجميع يقتدي به، أليس كذلك؟ أن يأتي المعاند وعدوّ أمير المؤمنين عليه السلام ويجعل من نفسه إمام جماعة ألا يكون شيطاناً؟ هو شيطان وتترشّح الشيطنة من هيئته بوضوح، قد لفّت الظلمة والكدورة وجودهم ولا تكاد تجد عنده سوى لقلقة اللسان، كلّ ذلك لأنّ أيديهم قاصرة عن الارتباط بأمير المؤمنين وبالولاية، ويسعون وراء أهواء الدنيا فيشترون شقاء الدنيا والآخرون، لذا على الإنسان أن لا يلتفت إلى المعاصي والمحرّمات، ويمكن له أن يؤدّي الطواف في أيّ وقت شاء بلا فرق بين الواجب والمستحبّ، غاية ما في الأمر أنّ عليه أن لا يلتفت، فالإنسان في الطواف يشغل نفسه بالذكروينظر إلى الكعبة ويتوجّه إلى الله، ولا يخطر في ذهنه من الذي قربه ومن الذي أمامه ومن الذي خلفه، ومع من يطوف، هذه المطالب ينبغي أن لا تخطر إلى الذهن أبداً.
