
الحجّ و آثاره الملكوتيّة – الجلسة الثالثة
وهي محاضرة ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني على مسامع بعض الإخوة الذين أرادوا التشرّف بالذهاب إلى الحج سنة 1425 في قم المقدّسة، وقد تناول فيها تفسير آية (وأذن في الناس بالحج...) وأن الله تعالى شرّف موقع الكعبة ومنحها أثراً تكويناً كبيراً، إذ من تحت هذا المكان بدأت اليابسة بالانتشار على سطح الأرض، وهذا ما ورد في الروايات باسم دحو الأرض، وأنه لم يأمر الناس بالمجيء إلى تلك البقعة المباركة عبثاً، لذا على الإنسان أن يشكر الله على توفيقه للذهاب إلى الحج، وعليه أن يلتفت إلى الله فقط دون ما سواه، ثم أشار إلى بعض التوصيات التي ينبغي للحاج أن يراعيها أثناء قيامه بالمناسك في عرفات والمشعر ومنى والرجم وفي المدينة، وأن هذه المشاعر التي نقوم بها إنما أمرنا الله بها اقتداء بالنبي إبراهيم والسيدة هاجر اللذين خرجا من أنانيتهما وصارت شخصيتهما شخصية إلهية على الجميع أن يقتدي بهما في ذلك. ثم أجاب على بعض الأسئلة اقتصرنا على نقل الهام منها.
الحجّ و آثاره الملكوتيّة – الجلسة الثالثة
11فعلينا في تلك الأماكن أن نتفرّغ لشؤون أنفسنا ولا نفرض على الآخرين ما نريده نحن، من أراد أن يذهب إلى الزيارة فليذهب ولا داعي لأن يدعو معه أحداً آخر، فلو كان الآخر مصاباً بالصداع ولا يريد أن يطوف أو يزور فلينم وبعد استراحته يذهب بنفسه، لا داعي لأن يفرض أحد على أحد شيئاً، الاجتماع جيّد، ولا أقول يجب أن لا يكون اجتماع، عند المستجار.. في أماكن أخرى، الذهاب معاً والزيارة معاً كلّ ذلك جيّد، ولكن المهمّ أن لا يتحوّل إلى فرض وإكراه.
إشارة إلى فلسفة بعض الأعمال من قبيل صلاة الطواف والسعي
ينبغي أن نلتفت في الأعمال إلى فلسفتها، لماذا يجب أن نصلّي خلف مقام إبراهيم، فرغم أنّ المسجد مسجد الله، ولكن يجب أن نصلّي خلف المقام والذي يعني موضع الأقدام، وإذا وفّق الإخوان للتشرّف فليذهبوا ولينظروا إلى موضع قدمي إبراهيم عليه السلام، والعجيب أنّ هناك رواية تبيّن أنّ هاتين الحفرتين ليستا من صنع أحد، وإنّما هما معجزة إلهيّة، حيث لانت الصخرة وطبع فوقها محلّ قدميه، ويبدو أنّه كان منتعلاً لا حافياً حيث لم تتبيّن في الحفرة مواضع الأصابع، فعلينا أن نقف ونصلّي خلف موضع أقدام إبراهيم، لماذا؟ لأنّ هذه القدم محترمة، وهذه القدم قد عملت من أجلنا، لقد بنى الكعبة معتمداً على هاتين القدمين، ولا بدّ أن نقف خلفه لا أمامه، والطواف يختلف عن الصلاة التي هي عمل عبادي وفعل يتقرّب به إلى الله، الطواف لا بدّ أن يكون من الجهة الداخليّة للمقام، أما الصلاة فلا بدّ أن تكون خلفه.
وفي السعي بين الصفا والمروة، لماذا يجب أن نسعى بينهما؟ لأنّا نقتدي بالسيّدة هاجر، فالسعي بين الصفا والمروة هو اقتداء بامرأة، نعم علينا أن نقتدي بامرأة، لأنّ حضرة هاجر كانت ذات نفس إلهيّة ولم تكن نفسها نفس امرأة أو نفس كائن حيّ، أتدرون ما معنى هذه الكلمة؟ لم تبلغ حضرة هاجر ما بلغت من لا شيء، أنتم تصوّروا وابحثوا في الدنيا عن رجل يأخذ بزوجته ويقول لها: أريد أن أذهب بك إلى مكان ـ لم يقل إلى أي مكان ـ بل قال إلى حيث يريد الله تعالى، فيأتي بها من فلسطين ويمشي بها مسافة ٥۰۰ فرسخ ويضعها في مكان لا يحتمل فيه البقاء على قيد الحياة ولو بنسبة واحد إلى مليار، لا ينبغي أن ننظر إلى الأبنية والعمارات الموجودة في مكّة الآن، فلم يكن في ذلك الوقت غير الجبال السوداء والشمس الحارقة التي تبلغ حرارتها ستين درجة، لم يكن هناك شيء، كانت عبارة عن صحراء قاحلة، لم يذهب بها النبي إبراهيم إلى شمال إيران (منطقة جميلة ومليئة بالماء والخضار) بل أتى بها إلى هناك، علماً بأن السيدة هاجر كانت تحمل طفلاً رضيعاً، قال لها إبراهيم: الله أمرنا أن نذهب، إلى أين؟ لا أعلم، لم تسأل ولو سؤالاً واحداً، لماذا؟ إلى أين؟ كيف؟ هكذا كانت، لأنها تعلم بأن إبراهيم كان نبياً، وتعلم أنه لا يقول شيئاً من نفسه، بالإضافة إلى أنّه أب إسماعيل، فيأتي ويمشي ويطوي الأماكن العامرة والخضراء والمدن المأهولة و.. إلى أن يصل إلى مكان بين الجبال، هناك قال لها في أمان الله. لم يكن في السماء حتى ذباب يشير إلى وجود حياة هناك، فقال إبراهيم: عليّ أن أذهب. هنا يرى الإنسان أن هذا الأمر عجيب جداً، فهذا الأمر من الأمور التي يتعطّل فيها عمل العقل،
