
الحجّ و آثاره الملكوتيّة – الجلسة الثالثة
وهي محاضرة ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني على مسامع بعض الإخوة الذين أرادوا التشرّف بالذهاب إلى الحج سنة 1425 في قم المقدّسة، وقد تناول فيها تفسير آية (وأذن في الناس بالحج...) وأن الله تعالى شرّف موقع الكعبة ومنحها أثراً تكويناً كبيراً، إذ من تحت هذا المكان بدأت اليابسة بالانتشار على سطح الأرض، وهذا ما ورد في الروايات باسم دحو الأرض، وأنه لم يأمر الناس بالمجيء إلى تلك البقعة المباركة عبثاً، لذا على الإنسان أن يشكر الله على توفيقه للذهاب إلى الحج، وعليه أن يلتفت إلى الله فقط دون ما سواه، ثم أشار إلى بعض التوصيات التي ينبغي للحاج أن يراعيها أثناء قيامه بالمناسك في عرفات والمشعر ومنى والرجم وفي المدينة، وأن هذه المشاعر التي نقوم بها إنما أمرنا الله بها اقتداء بالنبي إبراهيم والسيدة هاجر اللذين خرجا من أنانيتهما وصارت شخصيتهما شخصية إلهية على الجميع أن يقتدي بهما في ذلك. ثم أجاب على بعض الأسئلة اقتصرنا على نقل الهام منها.
الحجّ و آثاره الملكوتيّة – الجلسة الثالثة
3لكلّ زمان ومكان خصوصيّته الخاصّة وأولياء الله كانوا يراعون ذلك
ويرى الإنسان مثل هذه الأوقات التي تعلقت بها الإرادة الإلهية في أيام السنة أيضاً، فمثلاً ليلة القدر لها أعمالها الخاصّة لماذا؟ ليلة القدر هي من حيث عدد ساعاتها كسائر الليالي التي قبلها وبعدها، مثلاً عشر ساعات، فهي من حيث الزمان لا تختلف عن غيرها، وكذا ليلة الخامس عشر من شعبان، وكذا يوم عيد الأضحى، فالمسألة في الأزمان والأماكن المختلفة هي كذلك، لماذا؟ لأنّ إرادة الله تعالى تعلّقت بهذا الزمان الخاص، شهر رمضان له خصوصيّة تختصّ به، ولو صمت شهر ذي القعدة فإنّ صيامك هذا يختلف عن صيام شهر رمضان، ولو صمت شهر ربيع الأول بدلاً من شهر رمضان ـ باعتبار أنّ الجوّ فيه أفضل مثلاً ـ فليس لهذا الصيام أيّة فائدة، بمجرّد أن يأتي شهر رمضان يشعر الإنسان أنّ الأحوال والأجواء قد تغيّرت، الشمس والأرض لا زالتا عل حالتيهما إلا أنّ الأمر يختلف، والأولياء العظام يشعرون بذلك، كنت ليلة أمس أطالع كتاباً لطيفاً فيه حكايات جيّدة عن الأولياء، وفيه حكاية عن المرحوم السيد أبو القاسم لواساني ـ الذي كان وصياً ظاهرياً للمرحوم السيد أحمد الكربلائي ـ حيث كان يبيت برفقة المرحوم الشيخ محمد البهاري في مسجد السهلة، وقد كان المرحوم الشيخ محمد البهاري من أولياء الله ومن تلامذة المرحوم الآخوند الملا حسين قلي الهمداني، وكان الشيخ محمد البهاري والسيد أحمد الكربلائي يتتلمذان معاً عند المرحوم الآخوند الملا حسين قلي الهمداني، وكلّ منهما كان من عجائب الزمان، وخصوصاً السيد أحمد، وقبر المرحوم البهاري هو في همدان في منطقة بهار، ومن الواضح كم كان رجلاً عظيماً نورانياً رفيع المنزلة، فبركة تلك المنطقة هي بواسطة وجوده فيها، والذين يذهبون إلى تلك المقبرة يروون عنها وعن آثارها حكايات عجيبة. فقد كان زميله هو السيد أحمد الكربلائي أستاذ المرحوم القاضي، وكان السيد أحمد هو الآخر شخصيّة عجيبة نادرة الوجود، لا نظير له في عالم الفضيلة والعلم، كان هذان العلمان معاً في مسجد السهلة، وقرب الصبح يخرج المرحوم السيد أبو القاسم وينظر في السماء ليرى إذا كان الفجر قد دخل أم لا، حيث شكّ في ذلك، فيرجع ليطمئنّ قليلاً فإذا به يرى السيد أحمد يرفع الأذان، فيقول له: اصبر قليلاً، فيجيبه: عزيزي لقد رأيت بنفسي ملائكة الليل قد صعدت وملائكة النهار قد جاءت، لقد انتهت نوبتهم!!! (على سبيل الملاطفة) فهذه المسائل موجودة، وهذه أمور حقيقيّة، وعالم التكوين الظاهري الذي نراه نحن الآن ليس عالماً عبثياً، ولو نقلت لكم لمحة ممّا سمعته فلا قدرة لأحد من الإخوان على استماعها، علماً بأنّ هذا المقدار الذي سمعته أنا بحسب طاقتي، نحن لم نلمس شيئاً ولكنّا سمعنا شيئاً ما يناسب سعتنا.. فالجوّ يختلف، فلو قلت أنا أصوم شهر محرّم بدلاً من شهر رمضان، جيّد فالصيام جيّد ومستحبّ، ولكن أجواء وأحوال شهر رمضان شيء آخر.. أحوال وأجواء شهر رجب تختلف.. كما أنّ رجب يختلف عن شهر رمضان، خصوصيّته تختلف، إلا أنّ من يدرك شهر رجب لا يعني أنّه يستغني عن شهر رمضان، فهذا بمكانه وذاك بمكانه، تماماً كمن يقول: أصلّي ولكن لا أصوم، فالصلاة أفضل.. الصلاة قربان كلّ تقي، ما نودي بشيء كما نودي بالصلاة، ولم يتمّ التأكيد على شيء كما أكّد على الصلاة.. لكن هل يمكن أن نصلّي بدلاً عن الصوم؟ لا فهذا له مكانه وذاك له مكانه الخاص. الماء مفيد لنا، لكن إذا اقتصرنا دائماً عليه نموت، لا بدّ أن نشرب الماء كما لا بدّ كذلك أن نأكل الخبز. وهكذا الأوكسجين مفيد، ولكن لا يمكن أن يقتصر عليه، فإنه ينتهي إلى الموت، لا بدّ أن ينظَر إلى كلّ شيء في مكانه المناسب، وهنا لدينا تعليق مختصر يأتي.
