
الولاية حبل الله المتين
محاضرة يوم النصف من شعبان لعام 1439 هـ.ق
في ظل احتفالات مولد صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف في النصف من شعبان لعام 1439 هـ ق، ألقى سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني هذه المحاضرة القيمة وتعرض فيها لشرح المراد من حبل الله في الآية الكريمة: (واعتصوا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ...). ومن الجدير بالذكر أن أهم محاور المحاضرة كانت كالتالي: واعتصموا بحبل الله جميعا. ما هو المراد من حبل الله الذي يجب أن نعتصم به؟ أولياء الله يحلّقون في أفق أرقى بكثير من غيرهم. ما المراد من قوله تعالى ﴿رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبيلاَ﴾. المسلمون في عهد أمير المؤمنين عليه السلام لم يتمسّكوا بحبل الله. سبب العداوة هو الجهل، و طريق الله يؤلف بين القلوب.
الولاية حبل الله المتين
6ذات مرّة، كنت إلى جانب السيّد الوالد رضوان الله عليه بعد مرض القلب الذي أصابه، وكنت أرافق سماحته في قسم العناية المركّزة، وفي غرفة النقاهة أيضًا، وهذه القضية التي أنقلها كانت بعد خروجه من قسم العناية المركّزة في قسم تنويم المرضى من المستشفى، ففي إحدى الليالي ذكر لي سماحته أمورًا، وأمرني ببعض المسائل، عليك أن تفعل هذا في هذا الأمر وافعل كذا في ذاك الأمر، [فشعرت أنّ هذه الأمور كأنّها وصايا من يريد الرحيل، فبدا الضيق على وجهي]، فنظر إليّ سماحته وقال لي: ما بالك يا سيّد محسن؟! لماذا تضايقت؟!
فقلت له: هذا طبيعي سيّدنا ...
فقال سماحته: اذهب يا هذا في حال سبيلك، فأنا الذي تراني أمامك سعيد ومسرور جدا!
فقلت له: سيّدنا، من الطبيعي أن تكون أنت مسرورًا وسعيدًا، وهذا ما يفترض أن يكون، ولكنّني أفكّر بمصيبتنا نحن، وأمّا أنت فينبغي أن تكون سعيدًا، ولو كنت في مكانك ومثلك لكنت أنا أيضًا سعيدًا، بل ربما كنت أشدّ سرورًا!
هل التفتّم؟ لقد كان يقول: أنا سعيد ومسرور، وكان يمدّ صوته بها.
وهكذا، أعطانا سماحته فرصة قصيرة مدّتها ثلاث سنوات ثمّ ارتحل، وأنا ما كنت أدري أنّ الفرصة ستكون قصيرة إلى هذه الدرجة، بل كنت أتصوّر أنّه سيبقى عشر سنوات على الأقلّ،
[وكان سماحته يقول:] في النهاية علينا جميعًا أن نرحل عن هذه الدنيا، ونترك الموقع الذي نحتلّه فيها لغيرنا، فقد أعطينا مهلة بعض السنوات، ثمّ بعد ذلك لا بدّ أن نرحل! هل التفتّم؟
حتّى أنّ سماحته كان يتضايق عندما يأتي أحد لعيادته وقال: أطال الله عمرك سيّدنا، وكان يقول له: كم تريده أن يطيل عمرنا أكثر من هذا، لقد عشنا عمرنا وقضيناه، فلماذا تقولون ذلك، ولماذا تفعلون هذه الأمور؟! (حيث أنّهم كانوا يذبحون فدوًا، وينذرون نذورًا حتّى يطيل الله عمره) ، فكان يقول للحقير: ماذا يريد الرفقاء منّا؟! لقد قلنا ما عندنا من كلام، وأدّينا وظيفتنا، وعملنا ما علينا، فماذا يريدون منّا بعد ذلك؟!
لو تأمّل الإنسان في هذه المسائل لوجد أنّ مثل الأمور لا توجد في مكانٍ آخرٍ، وهذا السطح العالي من الفكر، وهذا الأفق الرفيع، وهذا المنهج والمرام الراقي لا توجد في أيّ مكانٍ! بل لا نجده حتّى عند العظماء، حيث كان هناك مجموعة من الأفراد الذين كانوا فعلاً من العظماء والصلحاء والعلماء والعبّاد والمعرضين عن الدنيا رحمة الله عليهم جميعًا، ولكن حينما كنّا نُجالسهم أو نستمع إلى كلامهم، كنّا نرى أنّ ما ينبغي طرحه من مسائل هو فوق ما يتحدّثون عنه.
