
العلة الغائيّة للحكومة الإسلاميّة (معالم حكومة صاحب الزمان)
محاضرة ألقيت بمناسبة يوم النصف من شعبان سنة 1430 هـ ق
لماذا نحن منتظرون لظهور الإمام؟ وفي أيّ شيء تتجلّى حقيقة ذاك الظهور؟ فهل ظهوره يعني الظهور الظاهريّ؟ أم أنّها تتمثّل في شيء آخر؟ أسئلة طرحها وأجاب عنها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدس سره في محاضرته التي ألقاها باللغة الفارسيّة، في الخامس عشر من شعبان عام 1430 هـ، وبيّن فيها الأهداف التي سعى إليها الأنبياء والأئمّة في حركاتهم وستحقّقها حكومة صاحب الزمان عليه السلام، مقارناً ذلك بأهداف سائر الحكومات وأدواتها.
العلة الغائيّة للحكومة الإسلاميّة (معالم حكومة صاحب الزمان)
4فلو كان الطفل صاحب الاستعداد في محيط يملؤه الخوف والاضطراب والتهديد، فلا يمكنه أن يدرس ويتعلّم.. لا يمكنه أن يدرس ويتعلّم مع الاضطراب. وهكذا لو كان لديه استعداد علميّ لبلوغ المراحل العالية من الدراسات والعلوم، إلاّ أنّه كان يعيش حالة من العَوَز اقتصاديّاً، فإنّه سيبقى على حالته وسيتوقّف تكامله العلميّ، ولذلك نجد أنّ عدد الذين يمتلكون استعدادات متميّزة لنيل الدراسات العالية وبلوغ المراحل الشامخة يفوق بكثير عدد المتصدّين الفعليّين في المراكز العلميّة، فهم بسبب الفقر الماديّ والضعف الاقتصاديّ بقَوا عاجزين عن بلوغ هذه المراتب من العلوم.. أليس كذلك؟!
حسناً، ولو بلغ الإنسان مرحلة علميّة عالية، إلا أنّه لم يكن لديه الاطّلاع الكافي على هذه المسائل، ولم يكن يمتلك الوسائل الكافية لإدارة هذا الجانب ورعاية هذه الشؤون التي ذُكِرت، فمع استعداده ومُكْنته الاقتصاديّة، وكذلك مع انتفاء جميع الموانع من أمامه، ورغم أنّه يرتاد المراكز العلميّة إلاّ أنّه مثلاً كان يفتقد الكتب المفيدة ليقرأها!! فكيف له أن يرتقي ويفيد من دراسته مع عدم وفرة الكتب؟ فلا كتب متينة.. لا يجد إلاّ ضعيفة المستوى.. أو القديمة غير المعاصرة من حيث المحتوى.. أو التاريخ القديم الذي لا ينفعه...!!! حينها سوف يخسر مثل هذا الشخص كلّ استعداداته.. ولن يمكن لها أن تتفتّح، ولا أن تبلغ كمالها.
هل رأيتم كم هي المقدّمات التي ينبغي أن نتعاضد لتهيئتها في سبيل إيصال شخص واحد من مرتبة الإمكان والنقصان، إلى مرتبة الفعليّة والكمال؟!! فهذه هي المسألة أعني ضرورة إعداد الظروف العامّة لتكامل البشريّة وبلوغها إلى مرتبة الكمال العقليّ ومرحلة العقل المستفاد، وهذا ما لا يحصل إلا بعد تهيئة الأرضيّة وإيجاد المناخ المناسب لتزكية النفس وتهذيبها.
شعور البشرية بعجزها عن تهيئة المناخ الملائم للتكامل
فما لم تتهيّأ الأرضيّة ولم تعدّ هذه المقدّمات سيبقى هذا الاستعداد على كمونه، وستظلّ البشريّة تكابد للوصول إلى قُلّة الكمال، وستبقى تائقةً تسعى وراء تحقيق كمالها الفعليّ، لأنّها تشعر بعدم امتلاكها لهذه الكمالات، ولو لم تشعر بفقدانها لكانت كالحجارة والشجر، فالحجر لا يشعر بفقدانه لشيء أصلاً، لذلك هو لا يتوقّع أن يحصل على شيء أصلاً، فالطين لا يروم شيئاً ولا يحسّ بفقدان شيء، كذلك الشجر لا ينتظر شيئاً ولا يتوقّع أيّ شيء، في حين أنّنا نلحظ في البشريّة سعياً وراء تحقيق الأمان والاستقرار في هذه الدنيا، وهي تعيش حالة الانتظار لظهور الإمام، وما ذلك إلاّ لكونها تشعر بفقد الأمن والأمان.. وما ذلك إلاّ لأنّها تشعر بانعدام الأمن الحقيقيّ، وأنّه لا وجود له ولا طريق إليه وأنّها عاجزة عنه؛ فالبشريّة ترى أنّ الوسائل والآليات المطروحة أمامها ناقصة دائماً، ولا وسيلة لبلوغها مرحلة النضج والكمال، إنْ هي إلا تجارب متوالية، تجربة تلوَ الأخرى.. تجربة.. ثم تجربة.. ثم تجربة...!!
